كلمة رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جينبينغ في الجلسة الأولى للاجتماع الـ18 لقادة دول البريكس
2026-09-12 / 08:08
دولة رئيس الوزراء ناريندرا مودي المحترم،
السادة الزملاء:
يسعدني أن أجتمع معكم في نيودلهي، وأشكر دولة رئيس الوزراء ناريندرا مودي والحكومة الهندية على الترتيبات الدقيقة.
يصادف العام الجاري الذكرى السنوية الـ20 لتدشين التعاون بين دول البريكس. وخلال العقدين الماضيين، تطورت وتعاظمت آلية التعاون للبريكس باستمرار، وأظهرت حيوية مزدهرة، وقد أصبحت أكثر منصة تأثيرا للتعاون بين الأسواق الناشئة والدول النامية في العالم اليوم.
إن الـ20 عاما الماضية تتميز بالاعتماد على الذات والتقوية الذاتية. تقف دول البريكس في الصفوف الأولى للجنوب العالمي، وعملت على استشكاف الطرق التنموية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية مع التمسك بالاستقلالية، الأمر الذي نصب نموذجا للأسواق الناشئة والدول النامية في تقوية الذات عبر التضامن والتعاون.
إن الـ20 عاما الماضية تتميز بالمشاركة في السراء والضراء. تقدمت دول البريكس إلى الأمام بكل شجاعة وصمود، وواجهت يدا بيد التحديات مثل الأزمة المالية الدولية وجائحة فيروس كورونا والتغير المناخي، وحافظت بثبات على المصالح المشتركة للجنوب العالمي، الأمر الذي قدم عوامل الاستقرار والطاقة الإيجابية للعالم.
إن الـ20 عاما الماضية تتميز بالنتائج المثمرة. حققت دول البريكس التوسيع التاريخي لعضويتها، وأقامت هيكل التعاون شامل الأبعاد ومتعدد المستويات، وعمقت التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والمالية والتكنولوجيا باستمرار، الأمر الذي دشن مرحلة جديدة لتطور "البريكس الكبرى" بجودة عالية.
تتطور الآن التغيرات غير المسبوقة في العالم منذ قرن بشكل متسارع، حيث يتنامى الجنوب العالمي على نحو مزدهر، وتتقدم تعددية الأقطاب بصورة لا تقاوم. وفي نفس الوقت، تتصاعد التيارات المعاكسة مثل الأحادية وسياسة القوة، الأمر الذي يأتي بصدمات على تعددية الأطراف والنظام الدولي، ويفاقم العجز في السلام والتنمية والأمن والحوكمة. وفي هذا السياق، طرحت مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمية ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية من أجل تسوية العجز في هذه الجوانب والدفع ببناء عالم أجمل. على دول البريكس أن تقف بثبات إلى الجانب الصحيح للتاريخ، وتكون طليعة العصر بشجاعة، وتقود النظام الدولي ليتطور نحو اتجاه أكثر عدلا وإنصاف، وتدفع سويا بإقامة مجتمع المستقبل المشترك للبشرية
أولا، ينبغي لدول البريكس أن تكون روّادا لتعزيز التنمية المدفوعة بالابتكار. تشهد جولة جديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي في مقدمتها الذكاء الاصطناعي اختراقا متسارعا، الأمر الذي يؤثر على معادلة التنمية العالمية بشكل عميق. ينبغي لدول البريكس الإمساك بزمام المبادرة بقوة، وتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي، والتشجيع على فتح المصادر والانفتاح والتعاون والتقاسم، والدفع بتطور التعاون العملي نحو اتجاه الابتكار وأهداف أعلى. قبل فترة، دفعت الصين بالتعاون يدا بيدا مع الأطراف الأخرى بإنشاء المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي، وبناء مركز التعاون الدولي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي تجاه دول البريكس وغيرها، وذلك يوفر منصة مهمة لتعزيز التعاون بين دول العالم خاصة دول الجنوب العالمي في الذكاء الاصطناعي، ونرحب بدول البريكس للمشاركة فيها بنشاط. بهذه المناسبة، أطرح مبادرة دول البريكس لتمكين التصنيع حديث النوعية بالذكاء الاصطناعي، ونحرص على العمل سويا مع كافة الأطراف على تحقيق مزيد من الإنجازات في الأبحاث والتطبيقات، وتعميق التعاون في سلاسل الصناعة والإمداد. ستثبت الحقائق بكل التأكيد أن "فك الارتباط وقطع الإمداد" لن يعرقل مسيرتنا التنموية، ولن يؤدي "الفناء الصغير المحاط بالجدار العالي" إلا إلى عزل نفسه وتقسيم العالم.
ثانيا، ينبغي لدول البريكس أن تكون روّادا للحفاظ على السلام والاستقرار. إن العالم اليوم بعيد عن السلام لما يشهده من التغيرات والاضطرابات المتزايدة. يرجع السبب الجذري وراء ذلك إلى اهتزاز النظام الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعدم الالتزام الجدي بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. في هذا السياق، ينبغي لدول البريكس تثبيت مواقفها والوقوف إلى جانب الحق، وبذل جهود من أجل إنهاء الحرب وصيانة السلام. ومن المطلوب التمسك بمفهوم الأمن المشترك والمتكامل والتعاوني والمستدام، ورفض عقلية الحرب الباردة والمواجهة بين المعسكرات، ومعارضة انتهاك سيادة الدول الأخرى والتدخل في شؤونها الداخلية، والمشاركة البناءة في تسوية القضايا الساخنة، وتقديم مساهمات فريدة من دول البريكس لإيجاد حلول تعالج الأعراض ومسبباتها في آن واحد.
ما زالت الأوضاع في الشرق الأوسط والخليج تشهد تغيرات معقدة. ألحقت هذه الحرب أضرارا فادحة بشعوب دول المنطقة، وهي لا تتفق مع المصالح المشتركة للمجتمع الدولي. طرحت الرؤية ذات النقاط الأربع بشأن صون وتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، بغية الدعوة إلى تهدئة الوضع ومنع القتال وإحلال السلام. يجب على الأطراف المعنية التمسك باتجاه الحل السياسي، والدفع بتحقيق الوقف الدائم والشامل لإطلاق النار. من اللازم إيلاء اهتمام لحل المشاكل الجذرية، وإعادة بناء الثقة المتبادلة بين دول المنطقة، وإنشاء إطار أمني جديد. ظلت القضية الفلسطينية لبا لقضايا الشرق الأوسط، ويكمن مخرجها الأساسي في تطبيق "حل الدولتين"، وتحقيق التعايش السلمي بين فلسطين وإسرائيل. في هذا السياق، يحرص الجانب الصيني على بذل جهود مشتركة مع أعضاء البريكس للعب الدور المطلوب في تحقيق السلام والأمان في الشرق الأوسط والخليج.
ثالثا، ينبغي أن تكون دول البريكس روّادا في دفع الاستفادة المتبادلة بين الحضارات. تكمن لذة الحساء في مزج النكهات المختلفة. إن دول البريكس بوصفها ورَثة الحضارات العريقة وحاضنات الثقافات المتنوعة، ينبغي أن تصبح حديقة تنمو فيها الحضارات المختلفة بوئام. علينا أن نكرّس القيم المشتركة للبشرية جمعاء، وندعو إلى التواصل والاستفادة المتبادلة والتعايش المتناغم بين الحضارات. علينا حسن تنظيم منتدى التواصل الشعبي والثقافي لدول البريكس لتقاسم خبرات الحكم والإدارة، بما يحشد طاقة إيجابية تسهم في التطور المستقر للعلاقات بين الدول. علينا أن نعمّق التعاون في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم ونشجّع التبادل الشبابي، بغية تعزيز التواصل والتعارف والتقارب بين شعوبنا.
رابعا، ينبغي أن تكون دول البريكس روّادا في إصلاح وتحسين الحوكمة العالمية. تحدد طبيعة منظومة الحوكمة العالمية الذي نبنيها مستقبل المجتمع البشري. يجب أن تواكب دول البريكس الاتجاه العام من دمقرطة العلاقات الدولية، وتدفع بإنشاء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا، وتحافظ على هيبة الأمم المتحدة، وترفض الانسحاب من المنظمات والاتفاقيات الدولية بشكل عشوائي أو استبدالها بشيء لا معنى له. يجب أن تدعم النظام التجاري المتعدد الأطراف الذي تكون منظمة التجارة العالمية مركزه، وتدفع بإصلاح المنظمة، وتعارض فرض الرسوم الجمركية بصورة تعسفية، وتناهض الإجراءات الأحادية أيا كان شكلها. كما يجب أن تقود الحوكمة العالمية في ميادين جديدة مثل شبكة الإنترنت والفضاء الخارجي والبحر العميق، بما يعزز صوت دول الجنوب العالمي.
أيها الزملاء!
بعد مرور عشرين عاما، ظلّ التضامن والتعاون مصدر القوة لتطور قضية البريكس. علينا أن نلتزم بالصدق في التعامل وإيجاد القواسم المشتركة مع تنحية الخلافات، ونحترم الشواغل الجوهرية لبعضنا البعض، ونعزز الفهم المتبادل ونعالج النزاعات والخلافات بشكل ملائم عبر التواصل والحوار، بما يضمن أن يتقدم التعاون في إطار البريكس بخطوات مستقرة ومتزنة.
ستستضيف الصين الاجتماع الـ19 لقادة دول البريكس بعد توليها رئاسة مجموعة البريكس في العام المقبل. بهذه المناسبة، يحرص الجانب الصيني على العمل مع كافة الأطراف على بلورة التوافقات وخلق المستقبل، لاستهلال "العقد الذهبي" الثالث لتعاون البريكس، واستشراف أفق مشرق من الازدهار والتقدم.
شكرا لكم!