مَن أطلق النمر فى مدينتنا؟... بقلم: د. احمد السعيد

2026-09-05 / 11:40

Post image

الدكتور احمد السعيد

مَن‭ ‬تابع‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الصينى‭ ‬شى‭ ‬جين‭ ‬بينج‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬كان‭ ‬يتابع‭ ‬مشهدين‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬واحدة،‭ ‬فى‭ ‬الأول‭ ‬واقعة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تأويل:‭ ‬رئيس‭ ‬ثانى‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬فى‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬رئيس‭ ‬قلّ‭ ‬سفره‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬إدراج‭ ‬عاصمة‭ ‬فى‭ ‬جدوله‭ ‬حدثًا‭ ‬تتنافس‭ ‬عليه‭ ‬الدول،‭ ‬يجعل‭ ‬مصر‭ ‬وجهته‭ ‬الوحيدة‭ ‬فى‭ ‬العالمين‭ ‬العربى‭ ‬والإفريقى‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬واحتفاء‭ ‬بسبعين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬المصرية‭ ‬الصينية‭ ‬تبلغ‭ ‬تمامها‭.‬

وفى‭ ‬المشهد‭ ‬الثانى‭ ‬موجة‭ ‬سخرية‭ ‬متصلة،‭ ‬من‭ ‬الطرق‭ ‬التى‭ ‬مهدت‭ ‬وزينت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الزيارة،‭ ‬إلى‭ ‬فرقة‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬التى‭ ‬رقصت‭ ‬فى‭ ‬المطار،‭ ‬إلى‭ ‬أحكام‭ ‬مبرمة‭ ‬على‭ ‬اتفاقيات‭ ‬لم‭ ‬تنشر‭ ‬نصوصها‭ ‬بعد‭. ‬ولست‭ ‬هنا‭ ‬فى‭ ‬موقف‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الساخرين‭ ‬ولا‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬الترتيبات،‭ ‬وإنما‭ ‬يشغلنى‭ ‬أن‭ ‬المشهدين‭ ‬لا‭ ‬يلتقيان‭ ‬فى‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة:‭ ‬حدث‭ ‬إيجابى‭ ‬بلا‭ ‬التباس،‭ ‬وموجة‭ ‬تتعامل‭ ‬معه‭ ‬كأنه‭ ‬فضيحة‭ ‬تنتظر‭ ‬الكشف،‭ ‬فمن‭ ‬أين‭ ‬تجىء‭ ‬موجة‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬وهذا‭ ‬الاتساق‭ ‬فى‭ ‬التوقيت‭ ‬والعبارات،‭ ‬وكيف‭ ‬تشتغل؟

أولى‭ ‬طبقات‭ ‬الجواب‭ ‬محلية،‭ ‬وهى‭ ‬المادة‭ ‬الخام‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬شىء‭ ‬مما‭ ‬سيأتى‭ ‬من‭ ‬دونها‭: ‬ميراث‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬تراكم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أجيال،‭ ‬لم‭ ‬تصنعه‭ ‬حكومة‭ ‬واحدة‭ ‬ولا‭ ‬حقبة‭ ‬واحدة،‭ ‬وتوارثه‭ ‬الناس‭ ‬كما‭ ‬تتوارث‭ ‬العائلات‭ ‬حكايتها‭ ‬عن‭ ‬التاجر‭ ‬الذى‭ ‬غشها‭ ‬مرة‭ ‬فصارت‭ ‬تعد‭ ‬كل‭ ‬تاجر‭ ‬غاشًا‭ ‬حتى‭ ‬يثبت‭ ‬العكس‭. ‬وهذا‭ ‬الميراث‭ ‬فى‭ ‬أصله‭ ‬أداة‭ ‬تقدير،‭ ‬يخفض‭ ‬بها‭ ‬المواطن‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬يسمعه‭ ‬احتياطًا‭ ‬كما‭ ‬يخفض‭ ‬التاجر‭ ‬قيمة‭ ‬عملة‭ ‬مضطربة،‭ ‬وذلك‭ ‬سلوك‭ ‬مفهوم‭ ‬لا‭ ‬يلام‭ ‬عليه‭ ‬أحد،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأداة‭ ‬تفسد‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬إلى‭ ‬رد‭ ‬فعل،‭ ‬فتطبق‭ ‬على‭ ‬الجيد‭ ‬والسيئ‭ ‬بمقدار‭ ‬واحد،‭ ‬ومن‭ ‬يسوى‭ ‬بينهما‭ ‬فى‭ ‬التقدير‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقدر‭ ‬شيئًا‭ ‬مهما‭ ‬وضحت‭ ‬أهميته‭ ‬وحقيقته‭. ‬وهنا‭ ‬موطن‭ ‬الخطر‭ ‬الذى‭ ‬أعنيه‭ ‬تحديدًا‭ : ‬الجمهور‭ ‬الذى‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬برد‭ ‬فعله‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬الحدث‭ ‬هو‭ ‬أسهل‭ ‬جمهور‭ ‬يدار،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬إدارته‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إقناعه‭ ‬بشىء،‭ ‬يكفيه‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬الحدث‭ ‬فى‭ ‬الموضع‭ ‬الذى‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الرد‭ ‬سيأتى‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‭.‬

الطبقة‭ ‬الثانية‭ ‬اقتصاد‭ ‬المنصات‭ . ‬الخوارزمية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الصواب‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬تعرف‭ ‬ما‭ ‬يوقف‭ ‬الإصبع‭ ‬عن‭ ‬التمرير‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬على‭ ‬خبر‭ ‬أو‭ ‬مشهد‭ ‬بعينه،‭ ‬والغضب‭ ‬والسخرية‭ ‬يفعلان‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬توقفه‭ ‬وثيقة‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬صفحة،‭ ‬فالنكتة‭ ‬تقطع‭ ‬البلاد‭ ‬فى‭ ‬ساعة‭ ‬والنص‭ ‬الكامل‭ ‬للاتفاقية‭ ‬لم‭ ‬يلبس‭ ‬حذاءه‭ ‬بعد‭. ‬وهذا‭ ‬انحياز‭ ‬مبنى‭ ‬فى‭ ‬هندسة‭ ‬الوسيط‭ ‬نفسه،‭ ‬يعمل‭ ‬لمصلحة‭ ‬الرواية‭ ‬الأسرع‭ ‬لا‭ ‬الرواية‭ ‬الأصح،‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬وفى‭ ‬غيرها‭.‬

وفوق‭ ‬هاتين‭ ‬الطبقتين‭ ‬تأتى‭ ‬الثالثة،‭ ‬وهى‭ ‬التى‭ ‬أسميها‭ ‬‮ «العفوية‭ ‬المصنوعة»‬‭ ‬تعرف‭ ‬أدبيات‭ ‬الاتصال‭ ‬السياسى‭ ‬فى‭ ‬الغرب‭ ‬مصطلحًا‭ ‬طريفًا‭ ‬هو ‭ ‬‮«العشب‭ ‬الصناعى‮»‬،‭ ‬ومعناه‭ ‬صناعة‭ ‬حملة‭ ‬تبدو‭ ‬نابتة‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬ينمو‭ ‬العشب‭ ‬الطبيعى‭ ‬ولكنها‭ ‬مزروعة‭ ‬زرعًا،‭ ‬وعرفت‭ ‬المدرسة‭ ‬السوفيتية‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬نظرية‭ ‬‮ «التحكم‭ ‬الانعكاسى»‬‭ ‬التى‭ ‬تعد‭ ‬قمة‭ ‬الحرفة‭ ‬فيها‭ ‬ألا‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬خصمك‭ ‬شيئًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تهيئ‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬المعطيات‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬يختار‭ ‬بمحض‭ ‬إرادته‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬أنت‭. ‬وليس‭ ‬لازمًا‭ ‬لهذا‭ ‬كله‭ ‬افتراض‭ ‬غرفة‭ ‬تدير‭ ‬كل‭ ‬نكتة،‭ ‬فالتربة‭ ‬الساخطة‭ ‬جاهزة‭ ‬والخوارزمية‭ ‬جاهزة،‭ ‬ويكفى‭ ‬للفاعل‭ ‬الخارجى‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬الشرارة‭ ‬ويتنحى‭.‬

والعملية‭ ‬فى‭ ‬جوهرها‭ ‬لا‭ ‬تخترع‭ ‬شيئًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تأخذ‭ ‬الميراث‭ ‬الذى‭ ‬وصفته‭ ‬وتعطيه‭ ‬اتجاهًا‭ ‬مخطط‭ ‬له،‭ ‬فيصير‭ ‬الحذر‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬الأمور‭ ‬آلة‭ ‬تحول‭ ‬كل‭ ‬جيد‭ ‬إلى‭ ‬موضع‭ ‬شبهة،‭ ‬وكل‭ ‬إنجاز‭ ‬إلى‭ ‬صفقة‭ ‬مشكوك‭ ‬فيها،‭ ‬وكل‭ ‬ضيف‭ ‬إلى‭ ‬دائن،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يفهم‭ ‬المرء‭ ‬كيف‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬ألسنتنا‭ ‬فى‭ ‬توقيت‭ ‬واحد‭ ‬مقولات‭ ‬من‭ ‬طراز ‬‮«‬فخ‭ ‬الديون»‬‭‬ صيغت‭ ‬فى‭ ‬دوائر‭ ‬بحثية‭ ‬بعيدة‭ ‬وأنفقت‭ ‬على‭ ‬ترويجها‭ ‬سنوات،‭ ‬فنرددها‭ ‬كأنها‭ ‬بنات‭ ‬أفكارنا‭.‬

والصينيون‭ ‬الذين‭ ‬قضيت‭ ‬بينهم‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬وضعوا‭ ‬نظرية‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬بقرون،‭ ‬ووضعوها‭ ‬حكاية‭ ‬لا‭ ‬نظرية،‭ ‬لأن‭ ‬الحكاية‭ ‬تبقى‭ ‬فى‭ ‬الذاكرة‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬النظرية‭. ‬ففى‭ ‬كتابهم‭ ‬القديم‭ ‬‮«‬الدول‭ ‬المتحاربة‮»‬‭ ‬قصة‭ ‬يعرفها‭ ‬كل‭ ‬صينى‭ ‬باسم‭ ‬‮ «ثلاثة‭ ‬يصنعون‭ ‬نمرًا‮»:‬‭ ‬كان‭ ‬وزير‭ ‬فى‭ ‬دولة‭ ‬وى‭ ‬يدعى‭ ‬بانج‭ ‬تسونج‭ ‬مكلفًا‭ ‬بمرافقة‭ ‬ولى‭ ‬العهد‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬مجاورة،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يسافر‭ ‬دخل‭ ‬على‭ ‬الملك‭ ‬يسأله‭: ‬لو‭ ‬جاءك‭ ‬رجل‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬نمرًا‭ ‬يجول‭ ‬فى‭ ‬سوق‭ ‬المدينة،‭ ‬أتصدقه؟‭ ‬قال‭ ‬الملك‭: ‬لا‭. ‬قال‭: ‬فإن‭ ‬جاء‭ ‬ثانٍ‭ ‬يقول‭ ‬مثل‭ ‬قوله؟‭ ‬قال‭: ‬أبدأ‭ ‬فى‭ ‬الشك‭. ‬قال‭: ‬فإن‭ ‬جاء‭ ‬ثالث؟‭ ‬قال‭ ‬الملك‭: ‬إذن‭ ‬أصدق‭. ‬قال‭ ‬الوزير‭: ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تدخلها‭ ‬النمور‭ ‬وأنت‭ ‬تعلم‭ ‬ذلك‭ ‬يقينًا،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬كفت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أفواه‭ ‬لتصنع‭ ‬نمرًا‭ ‬فى‭ ‬عقلك،‭ ‬وأنا‭ ‬ذاهب‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬بعيد،‭ ‬والذين‭ ‬سيتكلمون‭ ‬عنى‭ ‬فى‭ ‬غيابى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة،‭ ‬فلا‭ ‬تصدقهم‭. ‬ووعده‭ ‬الملك‭. ‬ثم‭ ‬سافر‭ ‬الوزير،‭ ‬وتكلم‭ ‬الناس،‭ ‬ولما‭ ‬عاد‭ ‬لم‭ ‬يستقبله‭ ‬الملك‭.‬

وأول‭ ‬ما‭ ‬فى‭ ‬الحكاية‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحمق،‭ ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬عند‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬كل‭ ‬عاقل‭. ‬وثانى‭ ‬ما‭ ‬فيها،‭ ‬وهو‭ ‬الذى‭ ‬يتجاوزه‭ ‬من‭ ‬يرويها‭ ‬على‭ ‬عجَل،‭ ‬أنه‭ ‬فهم‭ ‬الآلية‭ ‬بنفسه‭ ‬وأقر‭ ‬بها‭ ‬ووعد،‭ ‬ثم‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭. ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬معرفة‭ ‬الإنسان‭ ‬بأن‭ ‬الشائعة‭ ‬تعمل‭ ‬بالتكرار‭ ‬لا‭ ‬تحميه‭ ‬منها،‭ ‬لأن‭ ‬التكرار‭ ‬لا‭ ‬يخاطب‭ ‬العقل‭ ‬الذى‭ ‬يعرف،‭ ‬وإنما‭ ‬يخاطب‭ ‬شيئًا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬العقل،‭ ‬هو‭ ‬حاجة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رأيه‭ ‬موافقًا‭ ‬لما‭ ‬يراه‭ ‬حوله‭. ‬فحين‭ ‬يقول‭ ‬واحد‭ ‬إن‭ ‬فى‭ ‬السوق‭ ‬نمرًا‭ ‬فأنا‭ ‬الذى‭ ‬أحاكمه،‭ ‬وحين‭ ‬يقوله‭ ‬ثلاثة‭ ‬فأنا‭ ‬الذى‭ ‬أصير‭ ‬محاكمًا،‭ ‬لأن‭ ‬بقائى‭ ‬على‭ ‬الإنكار‭ ‬يجعلنى‭ ‬الوحيد‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الجميع،‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يحتمل‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬طويلًا‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يفهم‭ ‬القارئ‭ ‬العنصر‭ ‬الأخير‭ ‬فى‭ ‬البناء،‭ ‬وأسميه ‬‮«‬الناقل‭ ‬البرىء‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬نحن‭. ‬مواطن‭ ‬صادق‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬ببلده‭ ‬شرًا،‭ ‬تصله‭ ‬نكتة‭ ‬عن‭ ‬الزيارة‭ ‬فيضحك،‭ ‬وضحكه‭ ‬صادق،‭ ‬ثم‭ ‬يرسلها‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬وفى‭ ‬اللحظة‭ ‬التى‭ ‬يرسلها‭ ‬فيها‭ ‬يحدث‭ ‬شىء‭ ‬لا‭ ‬يلحظه‭ ‬هو‭: ‬النكتة‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬دقيقة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬حساب‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬صارت‭ ‬الآن‭ ‬صادرة‭ ‬عنه،‭ ‬تحمل‭ ‬اسمه‭ ‬وصورته‭ ‬وثقة‭ ‬الناس‭ ‬به،‭ ‬وهذه‭ ‬الثقة‭ ‬تحديدًا‭ ‬هى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬صانع‭ ‬الحكاية‭ ‬أن‭ ‬يشتريه‭ ‬بماله‭ ‬كله‭. ‬وليس‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يلام‭ ‬عليه‭ ‬أحد،‭ ‬فالإنسان‭ ‬كائن‭ ‬يشارك‭ ‬ما‭ ‬يضحكه،‭ ‬وقد‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬الهواتف‭ ‬بآلاف‭ ‬السنين‭ ‬فى‭ ‬المقاهى‭ ‬والأسواق،‭ ‬والفرق‭ ‬أن‭ ‬المقهى‭ ‬كان‭ ‬يستوعب‭ ‬عشرة،‭ ‬والهاتف‭ ‬يبلغ‭ ‬فى‭ ‬دقيقة‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭. ‬وهذا‭ ‬التوزيع‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأمر‭ ‬كله‭ ‬بلا‭ ‬مسئول،‭ ‬فكل‭ ‬من‭ ‬مرر‭ ‬النكتة‭ ‬يرى‭ ‬بحق‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬شيئًا،‭ ‬وهو‭ ‬صادق‭ ‬إذا‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬وحده،‭ ‬وغير‭ ‬صادق‭ ‬إذا‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬السلسلة‭ ‬كلها،‭ ‬لأن‭ ‬السلسلة‭ ‬لا‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬شىء‭ ‬غير‭ ‬هذه،‭ ‬الـ«لم‭ ‬أفعل‭ ‬شيئًا» ‬‭ ‬مكررة‭ ‬ملايين‭ ‬المرات‭.‬

وهنا‭ ‬أصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أظنه‭ ‬قلب‭ ‬المسألة،‭ ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬يتأمله‭ ‬القارئ‭ ‬معى‭ ‬بهدوء‭ : ‬لماذا‭ ‬يسخر‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬شىء‭ ‬جيد؟‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬شرير‭ ‬ولا‭ ‬لأنه‭ ‬جاهل،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬السخرية‭ ‬فى‭ ‬مناخ‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬هى‭ ‬الخيار‭ ‬الآمن‭ ‬على‭ ‬صورته‭ ‬أمام‭ ‬نفسه‭ ‬وأمام‭ ‬الآخرين‭. ‬فمن‭ ‬صدق‭ ‬ثم‭ ‬تبين‭ ‬أنه‭ ‬خدع‭ ‬بدا‭ ‬ساذجًا،‭ ‬والسذاجة‭ ‬جرح‭ ‬فى‭ ‬الكرامة‭ ‬يبقى‭ ‬ويذكر،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬سخر‭ ‬ثم‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬جيدًا‭ ‬فلا‭ ‬يخسر‭ ‬شيئًا،‭ ‬لا‭ ‬يذكره‭ ‬أحد‭ ‬ولا‭ ‬يحاسبه‭ ‬أحد‭. ‬وحين‭ ‬تكون‭ ‬الخسارة‭ ‬كلها‭ ‬فى‭ ‬جهة‭ ‬التصديق‭ ‬والأمان‭ ‬كله‭ ‬فى‭ ‬جهة‭ ‬السخرية،‭ ‬يختار‭ ‬الناس‭ ‬السخرية‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬قناعة‭ ‬بها،‭ ‬وإنما‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تكلفهم‭ ‬شيئًا‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يستثمره‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬كل‭ ‬جيد‭ ‬إلى‭ ‬سيئ‭: ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقنعك‭ ‬بأن‭ ‬الزيارة‭ ‬سيئة،‭ ‬يكفيه‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬تصديقك‭ ‬بأنها‭ ‬جيدة‭ ‬مخاطرة‭ ‬على‭ ‬كرامتك،‭ ‬والباقى‭ ‬تفعله‭ ‬أنت‭ ‬بنفسك‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬استوقفتنى‭ ‬السخرية‭ ‬من‭ ‬الفرقة‭ ‬الفنية‭ ‬فى‭ ‬المطار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سواها‭. ‬فالرقصة‭ ‬الشعبية‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬اتفاقية‭ ‬يُختلف‭ ‬عليها‭ ‬ولا‭ ‬قرضًا‭ ‬يناقش‭ ‬الناس‭ ‬شروطه،‭ ‬وليس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬ما‭ ‬يجوز‭ ‬الاعتراض‭ ‬عليه‭ ‬أصلًا،‭ ‬فيها‭ ‬راقصون‭ ‬تعلموا‭ ‬من‭ ‬أمهاتهم‭ ‬وآبائهم‭ ‬حركات‭ ‬عمرها‭ ‬قرون،‭ ‬ووقفوا‭ ‬فى‭ ‬صالة‭ ‬مطار‭ ‬يستقبلون‭ ‬ضيفًا‭ ‬كما‭ ‬استقبل‭ ‬أجدادنا‭ ‬ضيوفهم‭ ‬منذ‭ ‬كان‭ ‬الضيف‭ ‬يستقبل‭ ‬بالغناء‭. ‬فحين‭ ‬يسخر‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬مم‭ ‬يسخر؟‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬الراقصة،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الضيف،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬يتخيل‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يراها‭ ‬ويستخف‭ ‬بها،‭ ‬فيسبق‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬الاستخفاف‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يفاجئه‭ ‬أحد‭ ‬به‭. ‬وهذه‭ ‬العين‭ ‬التى‭ ‬نستعيرها‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬لننظر‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أنفسنا‭ ‬ميراث‭ ‬قديم‭ ‬أيضًا،‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬فى‭ ‬الحكومات،‭ ‬ورثناه‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬الأجنبى‭ ‬معيار‭ ‬كل‭ ‬شىء،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬ساكنًا‭ ‬فينا‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬به‭. ‬والصينيون‭ ‬عرفوا‭ ‬هذه‭ ‬العين‭ ‬أيضًا،‭ ‬ففى‭ ‬أول‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كتب‭ ‬أدباؤهم‭ ‬أقسى‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬أحد‭ ‬فى‭ ‬السخرية‭ ‬من‭ ‬شعبه‭ ‬وتراثه،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كاتبهم‭ ‬الأكبر‭ ‬لو‭ ‬شيون‭ ‬رسم‭ ‬لشعبه‭ ‬فى‭ ‬شخصية‭ ‬‮ «آه‭ ‬كيو‮»‬ ‬ صورة‭ ‬ساخرة‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يذكرونها‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬وأنا‭ ‬أذكر‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬للمقارنة،‭ ‬وإنما‭ ‬لأقول‭ ‬إن‭ ‬الشعوب‭ ‬تمر‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬وتخرج‭ ‬منه،‭ ‬وإن‭ ‬الخروج‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمنع‭ ‬ولا‭ ‬بمحاضرات،‭ ‬وإنما‭ ‬بأن‭ ‬عاش‭ ‬الناس‭ ‬زمنًا‭ ‬كافيًا‭ ‬رأوا‭ ‬فيه‭ ‬أنفسهم‭ ‬بأعينهم‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬بعين‭ ‬أحد‭ ‬سواهم‭.‬

وحتى‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬القارئ‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬الصين‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أقصده‭: ‬الصين‭ ‬التى‭ ‬يظنها‭ ‬بعضنا‭ ‬مجتمعًا‭ ‬صمتًا‭ ‬تضج‭ ‬منصاتها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بجدل‭ ‬لا‭ ‬ينتهى‭ ‬حول‭ ‬أسعار‭ ‬البيوت‭ ‬وتعليم‭ ‬الأبناء‭ ‬وساعات‭ ‬العمل‭ ‬الطويلة‭ ‬التى‭ ‬يسميها‭ ‬الشباب‭ ‬هناك ‬‮»‬996‮ «‬،‭ ‬أى‭ ‬من‭ ‬التاسعة‭ ‬صباحًا‭ ‬إلى‭ ‬التاسعة‭ ‬مساء‭ ‬ستة‭ ‬أيام‭ ‬فى‭ ‬الأسبوع،‭ ‬والنقد‭ ‬الاجتماعى‭ ‬هناك‭ ‬يبلغ‭ ‬أحيانًا‭ ‬حدة‭ ‬تدهش‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭. ‬غير‭ ‬أننى‭ ‬لاحظت‭ ‬فى‭ ‬سنواتى‭ ‬بينهم‭ ‬شيئًا‭ ‬يستحق‭ ‬التأمل‭: ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬كله‭ ‬يجرى‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬فإذا‭ ‬جاء‭ ‬ضيف‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬توقف،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬خوف،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬شىء‭ ‬يسمونه‭ ‬‮ «ماء‭ ‬الوجه‮»‬،‭ ‬ومعناه‭ ‬أن‭ ‬للإنسان‭ ‬وللأسرة‭ ‬وللبلد‭ ‬صورة‭ ‬أمام‭ ‬الغريب‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬أن‭ ‬تُبذل‭ ‬فى‭ ‬حضوره،‭ ‬وأن‭ ‬الخصومة‭ ‬التى‭ ‬تجرى‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬شأن‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬نفاقًا‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬لأول‭ ‬نظرة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬الذات،‭ ‬فالذى‭ ‬لا‭ ‬يحفظ‭ ‬ماء‭ ‬وجهه‭ ‬أمام‭ ‬الغريب‭ ‬لا‭ ‬يحفظه‭ ‬له‭ ‬أحد‭. ‬ونحن‭ ‬كنا‭ ‬نعرف‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬جيدًا،‭ ‬وكانت‭ ‬أمهاتنا‭ ‬يقلن‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬فى‭ ‬البيت‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬منه،‭ ‬وإن‭ ‬الضيف‭ ‬حين‭ ‬يطرق‭ ‬الباب‭ ‬تُطوى‭ ‬الخصومة‭ ‬حتى‭ ‬يذهب،‭ ‬وليس‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬تنازل‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬أحد‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬يخاصم،‭ ‬وإنما‭ ‬فيه‭ ‬معرفة‭ ‬بأن‭ ‬للخصومة‭ ‬وقتًا‭ ‬ومكانًا،‭ ‬وأن‭ ‬المطار‭ ‬الذى‭ ‬ينزل‭ ‬فيه‭ ‬الضيف‭ ‬ليس‭ ‬أحدهما‭.‬

وإذا‭ ‬صح‭ ‬هذا‭ ‬التشريح‭ ‬كله‭ ‬فليس‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬الضحك،‭ ‬فالضحك‭ ‬عافية،‭ ‬والمصرى‭ ‬الذى‭ ‬يضحك‭ ‬فى‭ ‬أصعب‭ ‬الأوقات‭ ‬يملك‭ ‬بذلك‭ ‬ما‭ ‬تحسده‭ ‬عليه‭ ‬شعوب‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬لهذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المحاضرات‭ ‬التى‭ ‬يعرف‭ ‬القارئ‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقرأها‭. ‬الذى‭ ‬أريده‭ ‬أصغر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭ ‬وأصعب‭ ‬منه‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭: ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬هى‭ ‬اللحظة‭ ‬الواقعة‭ ‬بين‭ ‬الضحك‭ ‬والإرسال‭. ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬وحده‭ ‬مع‭ ‬النكتة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصير‭ ‬باسمه،‭ ‬وفيها‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭ ‬السؤال‭ ‬الذى‭ ‬لم‭ ‬يسأله‭ ‬ملك‭ ‬وى‭: ‬من‭ ‬الذى‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أصدق‭ ‬أن‭ ‬فى‭ ‬السوق‭ ‬نمرًا؟‭ ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬هذا‭ ‬أولًا،‭ ‬ولماذا‭ ‬الآن،‭ ‬ولماذا‭ ‬بهذه‭ ‬العبارة‭ ‬نفسها‭ ‬التى‭ ‬رأيتها‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬على‭ ‬عشرين‭ ‬حسابًا‭ ‬فى‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة؟‭ ‬ولا‭ ‬يلزم‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬جواب،‭ ‬فالسؤال‭ ‬وحده‭ ‬كافٍ،‭ ‬لأن‭ ‬الحكاية‭ ‬المصنوعة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يسأل‭ ‬أحد،‭ ‬وتنكسر‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يسأل،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معه‭ ‬جواب‭.‬

ستقاس‭ ‬الزيارة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬بما‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬مصانع‭ ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬فى‭ ‬الموانئ‭ ‬من‭ ‬صادرات،‭ ‬وذلك‭ ‬حساب‭ ‬تكفيه‭ ‬الأرقام‭. ‬أما‭ ‬الظاهرة‭ ‬التى‭ ‬صاحبتها‭ ‬فأبقى‭ ‬من‭ ‬الزيارة‭ ‬وأخطر،‭ ‬لأن‭ ‬معارك‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وحدها‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬طبقة‭ ‬التفسير‭ ‬التى‭ ‬يرى‭ ‬الناس‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬خلالها‭. ‬والنمور‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬الأسواق،‭ ‬لكنها‭ ‬تسكن‭ ‬كل‭ ‬سوق‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬الحكاية‭ ‬قبل‭ ‬الحقيقة‭.‬