مَن أطلق النمر فى مدينتنا؟... بقلم: د. احمد السعيد
2026-09-05 / 11:40
الدكتور احمد السعيد
مَن تابع زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة كان يتابع مشهدين على شاشة واحدة، فى الأول واقعة لا تحتاج إلى تأويل: رئيس ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وهو رئيس قلّ سفره حتى صار إدراج عاصمة فى جدوله حدثًا تتنافس عليه الدول، يجعل مصر وجهته الوحيدة فى العالمين العربى والإفريقى هذا العام، واحتفاء بسبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية تبلغ تمامها.
وفى المشهد الثانى موجة سخرية متصلة، من الطرق التى مهدت وزينت من أجل الزيارة، إلى فرقة الفنون الشعبية التى رقصت فى المطار، إلى أحكام مبرمة على اتفاقيات لم تنشر نصوصها بعد. ولست هنا فى موقف الرد على الساخرين ولا المدافع عن الترتيبات، وإنما يشغلنى أن المشهدين لا يلتقيان فى نقطة واحدة: حدث إيجابى بلا التباس، وموجة تتعامل معه كأنه فضيحة تنتظر الكشف، فمن أين تجىء موجة بهذا الحجم وهذا الاتساق فى التوقيت والعبارات، وكيف تشتغل؟
أولى طبقات الجواب محلية، وهى المادة الخام التى لا يعمل شىء مما سيأتى من دونها: ميراث من عدم الثقة تراكم على مدى أجيال، لم تصنعه حكومة واحدة ولا حقبة واحدة، وتوارثه الناس كما تتوارث العائلات حكايتها عن التاجر الذى غشها مرة فصارت تعد كل تاجر غاشًا حتى يثبت العكس. وهذا الميراث فى أصله أداة تقدير، يخفض بها المواطن قيمة ما يسمعه احتياطًا كما يخفض التاجر قيمة عملة مضطربة، وذلك سلوك مفهوم لا يلام عليه أحد، غير أن الأداة تفسد حين تتحول من حكم إلى رد فعل، فتطبق على الجيد والسيئ بمقدار واحد، ومن يسوى بينهما فى التقدير لم يعد يقدر شيئًا مهما وضحت أهميته وحقيقته. وهنا موطن الخطر الذى أعنيه تحديدًا : الجمهور الذى يمكن التنبؤ برد فعله قبل أن يقع الحدث هو أسهل جمهور يدار، لأن من يريد إدارته لا يحتاج إلى إقناعه بشىء، يكفيه أن يضع الحدث فى الموضع الذى يعرف أن الرد سيأتى فيه من تلقاء نفسه.
الطبقة الثانية اقتصاد المنصات . الخوارزمية لا تعرف الصواب من الخطأ، تعرف ما يوقف الإصبع عن التمرير على الشاشة على خبر أو مشهد بعينه، والغضب والسخرية يفعلان ذلك أكثر مما توقفه وثيقة من ثلاثين صفحة، فالنكتة تقطع البلاد فى ساعة والنص الكامل للاتفاقية لم يلبس حذاءه بعد. وهذا انحياز مبنى فى هندسة الوسيط نفسه، يعمل لمصلحة الرواية الأسرع لا الرواية الأصح، فى مصر وفى غيرها.
وفوق هاتين الطبقتين تأتى الثالثة، وهى التى أسميها «العفوية المصنوعة» تعرف أدبيات الاتصال السياسى فى الغرب مصطلحًا طريفًا هو «العشب الصناعى»، ومعناه صناعة حملة تبدو نابتة من القاعدة الشعبية تمامًا كما ينمو العشب الطبيعى ولكنها مزروعة زرعًا، وعرفت المدرسة السوفيتية قبل ذلك نظرية «التحكم الانعكاسى» التى تعد قمة الحرفة فيها ألا تفرض على خصمك شيئًا، وإنما تهيئ له من المعطيات ما يجعله يختار بمحض إرادته ما تريده أنت. وليس لازمًا لهذا كله افتراض غرفة تدير كل نكتة، فالتربة الساخطة جاهزة والخوارزمية جاهزة، ويكفى للفاعل الخارجى أن يضع الشرارة ويتنحى.
والعملية فى جوهرها لا تخترع شيئًا، وإنما تأخذ الميراث الذى وصفته وتعطيه اتجاهًا مخطط له، فيصير الحذر الذى كان يفرق بين الأمور آلة تحول كل جيد إلى موضع شبهة، وكل إنجاز إلى صفقة مشكوك فيها، وكل ضيف إلى دائن، ومن هنا يفهم المرء كيف تعود إلى ألسنتنا فى توقيت واحد مقولات من طراز «فخ الديون» صيغت فى دوائر بحثية بعيدة وأنفقت على ترويجها سنوات، فنرددها كأنها بنات أفكارنا.
والصينيون الذين قضيت بينهم ربع قرن وضعوا نظرية هذا كله قبل الميلاد بقرون، ووضعوها حكاية لا نظرية، لأن الحكاية تبقى فى الذاكرة حيث لا تبقى النظرية. ففى كتابهم القديم «الدول المتحاربة» قصة يعرفها كل صينى باسم «ثلاثة يصنعون نمرًا»: كان وزير فى دولة وى يدعى بانج تسونج مكلفًا بمرافقة ولى العهد إلى دولة مجاورة، وقبل أن يسافر دخل على الملك يسأله: لو جاءك رجل يقول إن نمرًا يجول فى سوق المدينة، أتصدقه؟ قال الملك: لا. قال: فإن جاء ثانٍ يقول مثل قوله؟ قال: أبدأ فى الشك. قال: فإن جاء ثالث؟ قال الملك: إذن أصدق. قال الوزير: السوق لا تدخلها النمور وأنت تعلم ذلك يقينًا، ومع هذا كفت ثلاثة أفواه لتصنع نمرًا فى عقلك، وأنا ذاهب إلى بلد بعيد، والذين سيتكلمون عنى فى غيابى أكثر من ثلاثة، فلا تصدقهم. ووعده الملك. ثم سافر الوزير، وتكلم الناس، ولما عاد لم يستقبله الملك.
وأول ما فى الحكاية أن الملك لم يكن أحمق، فقد قال عند السؤال الأول ما يقوله كل عاقل. وثانى ما فيها، وهو الذى يتجاوزه من يرويها على عجَل، أنه فهم الآلية بنفسه وأقر بها ووعد، ثم وقع فيها. ومعنى هذا أن معرفة الإنسان بأن الشائعة تعمل بالتكرار لا تحميه منها، لأن التكرار لا يخاطب العقل الذى يعرف، وإنما يخاطب شيئًا أعمق من العقل، هو حاجة الإنسان إلى أن يكون رأيه موافقًا لما يراه حوله. فحين يقول واحد إن فى السوق نمرًا فأنا الذى أحاكمه، وحين يقوله ثلاثة فأنا الذى أصير محاكمًا، لأن بقائى على الإنكار يجعلنى الوحيد الذى لا يرى ما يراه الجميع، وقليل من الناس يحتمل هذا الموقف طويلًا.
ومن هنا يفهم القارئ العنصر الأخير فى البناء، وأسميه «الناقل البرىء»، وهو نحن. مواطن صادق لا يريد ببلده شرًا، تصله نكتة عن الزيارة فيضحك، وضحكه صادق، ثم يرسلها إلى أخيه أو إلى مجموعة الأصدقاء، وفى اللحظة التى يرسلها فيها يحدث شىء لا يلحظه هو: النكتة التى كانت قبل دقيقة صادرة عن حساب لا يعرفه صارت الآن صادرة عنه، تحمل اسمه وصورته وثقة الناس به، وهذه الثقة تحديدًا هى ما لا يستطيع صانع الحكاية أن يشتريه بماله كله. وليس فى هذا ما يلام عليه أحد، فالإنسان كائن يشارك ما يضحكه، وقد فعل ذلك قبل الهواتف بآلاف السنين فى المقاهى والأسواق، والفرق أن المقهى كان يستوعب عشرة، والهاتف يبلغ فى دقيقة عشرة آلاف. وهذا التوزيع هو ما يجعل الأمر كله بلا مسئول، فكل من مرر النكتة يرى بحق أنه لم يفعل شيئًا، وهو صادق إذا نظر إلى نفسه وحده، وغير صادق إذا نظر إلى السلسلة كلها، لأن السلسلة لا تتكون من شىء غير هذه، الـ«لم أفعل شيئًا» مكررة ملايين المرات.
وهنا أصل إلى ما أظنه قلب المسألة، وأرجو أن يتأمله القارئ معى بهدوء : لماذا يسخر الإنسان من شىء جيد؟ لا لأنه شرير ولا لأنه جاهل، وإنما لأن السخرية فى مناخ عدم الثقة هى الخيار الآمن على صورته أمام نفسه وأمام الآخرين. فمن صدق ثم تبين أنه خدع بدا ساذجًا، والسذاجة جرح فى الكرامة يبقى ويذكر، أما من سخر ثم تبين أن الأمر كان جيدًا فلا يخسر شيئًا، لا يذكره أحد ولا يحاسبه أحد. وحين تكون الخسارة كلها فى جهة التصديق والأمان كله فى جهة السخرية، يختار الناس السخرية لا عن قناعة بها، وإنما لأنها لا تكلفهم شيئًا. وهذا بالضبط ما يستثمره من يريد أن يحول كل جيد إلى سيئ: فهو لا يحتاج إلى أن يقنعك بأن الزيارة سيئة، يكفيه أن يجعل تصديقك بأنها جيدة مخاطرة على كرامتك، والباقى تفعله أنت بنفسك.
ولعل هذا يفسر لماذا استوقفتنى السخرية من الفرقة الفنية فى المطار أكثر من كل ما سواها. فالرقصة الشعبية لا تحمل اتفاقية يُختلف عليها ولا قرضًا يناقش الناس شروطه، وليس فيها من السياسة ما يجوز الاعتراض عليه أصلًا، فيها راقصون تعلموا من أمهاتهم وآبائهم حركات عمرها قرون، ووقفوا فى صالة مطار يستقبلون ضيفًا كما استقبل أجدادنا ضيوفهم منذ كان الضيف يستقبل بالغناء. فحين يسخر إنسان من هذا، مم يسخر؟ لا من الراقصة، ولا من الضيف، وإنما من نفسه، من صورة يتخيل أن العالم يراها ويستخف بها، فيسبق العالم إلى الاستخفاف حتى لا يفاجئه أحد به. وهذه العين التى نستعيرها من الآخر لننظر بها إلى أنفسنا ميراث قديم أيضًا، أقدم من عدم الثقة فى الحكومات، ورثناه من زمن كان فيه الأجنبى معيار كل شىء، وما زال ساكنًا فينا يعمل من غير أن نشعر به. والصينيون عرفوا هذه العين أيضًا، ففى أول القرن العشرين كتب أدباؤهم أقسى ما كتب أحد فى السخرية من شعبه وتراثه، حتى إن كاتبهم الأكبر لو شيون رسم لشعبه فى شخصية «آه كيو» صورة ساخرة ما زالوا يذكرونها إلى اليوم، وأنا أذكر هذا لا للمقارنة، وإنما لأقول إن الشعوب تمر بمثل هذا وتخرج منه، وإن الخروج لم يكن بمنع ولا بمحاضرات، وإنما بأن عاش الناس زمنًا كافيًا رأوا فيه أنفسهم بأعينهم هم لا بعين أحد سواهم.
وحتى لا يفهم القارئ من ذكر الصين ما لا أقصده: الصين التى يظنها بعضنا مجتمعًا صمتًا تضج منصاتها كل يوم بجدل لا ينتهى حول أسعار البيوت وتعليم الأبناء وساعات العمل الطويلة التى يسميها الشباب هناك »996 «، أى من التاسعة صباحًا إلى التاسعة مساء ستة أيام فى الأسبوع، والنقد الاجتماعى هناك يبلغ أحيانًا حدة تدهش من لا يعرف. غير أننى لاحظت فى سنواتى بينهم شيئًا يستحق التأمل: إن هذا الجدل كله يجرى داخل البيت، فإذا جاء ضيف إلى البيت توقف، لا عن خوف، وإنما عن شىء يسمونه «ماء الوجه»، ومعناه أن للإنسان وللأسرة وللبلد صورة أمام الغريب لا يليق أن تُبذل فى حضوره، وأن الخصومة التى تجرى بين أهل البيت شأن أهل البيت. وهذا ليس نفاقًا كما قد يبدو لأول نظرة، وإنما هو نوع من احترام الذات، فالذى لا يحفظ ماء وجهه أمام الغريب لا يحفظه له أحد. ونحن كنا نعرف هذا المعنى جيدًا، وكانت أمهاتنا يقلن لنا إن ما فى البيت لا يخرج منه، وإن الضيف حين يطرق الباب تُطوى الخصومة حتى يذهب، وليس فى هذا تنازل عن حق أحد فى أن يخاصم، وإنما فيه معرفة بأن للخصومة وقتًا ومكانًا، وأن المطار الذى ينزل فيه الضيف ليس أحدهما.
وإذا صح هذا التشريح كله فليس المطلوب من أحد أن يكف عن الضحك، فالضحك عافية، والمصرى الذى يضحك فى أصعب الأوقات يملك بذلك ما تحسده عليه شعوب كثيرة، ولا أريد لهذا المقال أن يكون واحدًا من تلك المحاضرات التى يعرف القارئ ما فيها قبل أن يقرأها. الذى أريده أصغر من ذلك بكثير وأصعب منه فى الوقت نفسه: لحظة واحدة، هى اللحظة الواقعة بين الضحك والإرسال. فى هذه اللحظة يكون الإنسان وحده مع النكتة قبل أن تصير باسمه، وفيها يستطيع أن يسأل السؤال الذى لم يسأله ملك وى: من الذى يستفيد من أن أصدق أن فى السوق نمرًا؟ ومن قال هذا أولًا، ولماذا الآن، ولماذا بهذه العبارة نفسها التى رأيتها قبل قليل على عشرين حسابًا فى ساعة واحدة؟ ولا يلزم أن يصل الإنسان إلى جواب، فالسؤال وحده كافٍ، لأن الحكاية المصنوعة تعتمد على ألا يسأل أحد، وتنكسر عند أول من يسأل، ولو لم يكن معه جواب.
ستقاس الزيارة بعد سنوات بما يقوم على الأرض من مصانع وما يزيد فى الموانئ من صادرات، وذلك حساب تكفيه الأرقام. أما الظاهرة التى صاحبتها فأبقى من الزيارة وأخطر، لأن معارك هذا العصر لم تعد على الأرض وحدها وإنما على طبقة التفسير التى يرى الناس الأرض من خلالها. والنمور لا تدخل الأسواق، لكنها تسكن كل سوق تصل إليه الحكاية قبل الحقيقة.