زيارة جلالة الملك إلى الصين .. الجامعات الأردنية أمام مرحلة جديدة من التعاون العلمي والابتكار...بقلم: أ.د احمد منصور الخصاونة
2026-08-21 / 00:00
تكتسب زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم إلى جمهورية الصين الشعبية أهمية تتجاوز أبعادها السياسية والاقتصادية المباشرة، فهي تأتي في لحظة يشهد فيها العالم تحولات متسارعة في التكنولوجيا والاقتصاد وأنماط الإنتاج، وتتزامن مع مساعي الأردن لتعزيز مسيرة التحديث الاقتصادي وبناء اقتصاد قادر على المنافسة والاستجابة لمتطلبات المستقبل.
ولعل أبرز ما يمكن قراءته في هذه الزيارة هو اتساع مجالات التعاون بين الأردن والصين، وانتقالها تدريجيًا من الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والصناعة والاقتصاد الرقمي والابتكار. كما أن اللقاءات التي يعقدها جلالة الملك مع كبار المسؤولين وقادة المؤسسات والشركات الصينية، ولا سيما الشركات العاملة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والروبوتات، تعكس توجهًا واضحًا نحو الاستفادة من الخبرة الصينية في مجالات تشكل جزءًا أساسيًا من اقتصاد المستقبل.
ومن هنا، فإن الجامعات الأردنية مطالبة بأن تنظر إلى هذه المرحلة من زاوية مختلفة. فدورها لا ينبغي أن يقتصر على متابعة التطورات السياسية والاقتصادية، بل عليها أن تكون طرفًا فاعلًا في ترجمة هذه العلاقات إلى مشاريع علمية وأكاديمية تعود بالنفع على الأردن وشبابه واقتصاده.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تعتمد على الموارد المالية والاستثمارات وحدها، وإنما استثمرت بصورة أساسية في الإنسان والتعليم والبحث والتطوير. ولذلك فإن بناء اقتصاد أردني أكثر إنتاجية لا يمكن أن ينفصل عن تطوير منظومة التعليم العالي وربطها بصورة أكثر فاعلية بحاجات الاقتصاد وسوق العمل والتطور التكنولوجي.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تشكل الصين شريكًا مهمًا للجامعات الأردنية في عدد كبير من المجالات. فالصين تمتلك منظومة متقدمة من الجامعات ومراكز البحث والتطوير والشركات التكنولوجية، كما حققت تقدمًا كبيرًا في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم والاتصالات والمدن الذكية والتقنيات الرقمية.
وتتمثل إحدى أهم فرص التعاون في إنشاء برامج ومشاريع بحثية مشتركة بين الجامعات الأردنية والصينية. ويمكن أن تركز هذه المشاريع على القضايا التي تمثل أولوية وطنية للأردن، مثل إدارة المياه، والطاقة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الذكية، والتكنولوجيا الطبية، والنقل، والتحول الرقمي. وهذا النوع من التعاون يمكن أن ينتقل بالبحث العلمي من النشر الأكاديمي فقط إلى إنتاج حلول عملية يمكن تطبيقها والاستفادة منها اقتصاديًا.
كما يمكن تطوير مراكز بحث وتطوير مشتركة داخل الجامعات الأردنية بالشراكة مع مؤسسات صينية متخصصة. ومن شأن هذه المراكز أن توفر بيئة تجمع الأكاديميين والباحثين والطلبة والشركات حول مشروعات حقيقية، وأن تسهم في نقل الخبرات والتقنيات وتوطينها، بدل أن يبقى الأردن مجرد مستهلك للتكنولوجيا المستوردة.
ولا تقل أهمية عن ذلك قضية إعداد الكفاءات البشرية. فالتغيرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات تعني أن طبيعة الوظائف نفسها تتغير بسرعة، وأن الجامعات مطالبة بإعادة تصميم جزء من برامجها الأكاديمية بما يتناسب مع هذه التحولات. ويمكن للتعاون مع الجامعات والشركات الصينية أن يفتح المجال أمام برامج تدريب متخصصة، وتبادل للطلبة وأعضاء هيئة التدريس، وتدريب ميداني في الشركات، وبرامج مشتركة في التخصصات التقنية الحديثة.
ومن المجالات الواعدة أيضًا تطوير برامج أكاديمية مشتركة ودرجات مزدوجة بين الجامعات الأردنية والصينية. فمثل هذه البرامج لا تمنح الطلبة فرصة الحصول على تعليم يجمع بين خبرتين أكاديميتين فحسب، وإنما تتيح لهم التعرف على بيئات اقتصادية وثقافية وتكنولوجية مختلفة، وتمنح الخريجين قدرة أكبر على العمل في الأسواق الآسيوية والعربية والدولية.
وفي المقابل، تستطيع الجامعات الأردنية أن تستفيد من هذه العلاقة في تعزيز حضورها الدولي واستقطاب الطلبة من الصين ودول آسيا. ويمكن تطوير برامج باللغة الإنجليزية، وبرامج صيفية وتبادل طلابي، ومسارات أكاديمية مشتركة تجعل من الجامعات الأردنية نقطة اتصال بين الطلبة الصينيين والمنطقة العربية.
أما الجانب الأكثر أهمية فيتمثل في ربط البحث العلمي بالاقتصاد والاستثمار. فالجامعة الحديثة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن الصناعة وقطاع الأعمال، بل يجب أن تكون جزءًا من منظومة الإنتاج والابتكار. ومن خلال التعاون الأردني الصيني يمكن تحويل بعض الأبحاث الجامعية إلى منتجات وخدمات وشركات ناشئة، وربط الباحثين بالمستثمرين والشركات، وتشجيع تسجيل براءات الاختراع وتسويق المعرفة المنتجة داخل الجامعات.
ولكي تنجح هذه الرؤية، فإن المطلوب هو الانتقال من ثقافة توقيع مذكرات التفاهم إلى ثقافة المشروعات والنتائج. فنجاح أي شراكة يجب أن يقاس بما تنتجه على أرض الواقع: أبحاث مشتركة، وتمويل بحثي، وبرامج أكاديمية جديدة، وتبادل للطلبة والباحثين، وبراءات اختراع، وشركات ناشئة، وفرص تدريب وتشغيل، وتقنيات يتم تطويرها أو توطينها.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب من الجامعات أن تكون أكثر مبادرة في التواصل مع نظيراتها الصينية، وأن تحدد مجالات التعاون التي تتوافق مع أولويات الأردن الوطنية، بدل انتظار المبادرات من الطرف الآخر. فالفرص الكبيرة عادة لا تأتي جاهزة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تمتلك رؤية واضحة وقدرة على المبادرة والتفاوض والتنفيذ.
إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تفتح نافذة واسعة أمام الأردن لتعميق علاقاته مع واحدة من أهم القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم. والجامعات الأردنية قادرة على أن تكون إحدى أهم الأدوات التي تحول هذا التقارب إلى نتائج مستدامة، إذا ما أحسنت قراءة المرحلة واستثمرت الإمكانات المتاحة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجامعات الأردنية ليس فقط: ماذا يمكن أن نحصل عليه من علاقاتنا مع الصين؟ وإنما: ماذا يمكن أن نبني مع الصين؟
والإجابة عن هذا السؤال يجب أن تبدأ من المختبرات والجامعات ومراكز البحث، وتمتد إلى الشركات والمصانع والأسواق، وصولًا إلى بناء جيل أردني يمتلك المعرفة والمهارات والقدرة على الابتكار والمنافسة.
فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك رأس المال وحده، وإنما لمن يمتلك المعرفة والقدرة على تحويلها إلى قيمة. ومن هذه الزاوية، يمكن لزيارة جلالة الملك إلى الصين أن تشكل بداية مرحلة جديدة تجعل من التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار أحد أهم جسور التعاون بين البلدين، وأحد المحركات الرئيسية لمستقبل الأردن الاقتصادي والتنموي.