شعار الموقع
العربية | 中文 | English

لماذا تكتسب زيارة شي جين بينغ إلى مصر أهمية؟ لحظة استراتيجية للقاهرة وبكين...بقلم: هەلو حسن سعيد

2026-09-01

هەلو حسن سعيد

تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر أهمية خاصة في ظل الصراع الإقليمي الحالي المرتبط بإيران. وبينما يتركز الاهتمام الإقليمي على منطقة الصراع المباشر، فإن اختيار بكين للقاهرة يسلّط الضوء على حسابات جيوسياسية أوسع. فمصر ليست طرفًا مباشرًا في المواجهة العسكرية، لكنها تشغل موقعًا لا غنى عنه في النظام الإقليمي، وتمتد أهميتها عبر العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط والتجارة البحرية العالمية. ومن خلال اختيار القاهرة في هذه اللحظة، تُظهر الصين رغبتها في الحفاظ على انخراط عميق في الشرق الأوسط، مع الحد في الوقت نفسه من مخاطر التورط العسكري المباشر.ويكشف جدول زيارة شي عن نمط واضح في دبلوماسية بكين تجاه دول الجنوب العالمي. فالانتقال مباشرة من قمة منظمة شنغهاي للتعاون ، في آسيا الوسطى إلى زيارة دولة لمصر يربط بين ممرين استراتيجيين: طرق التجارة والطاقة البرية العابرة لأوراسيا من جهة، ومصر بوصفها بوابة للتجارة البحرية العربية والأفريقية والمتوسطية من جهة أخرى.

 

الجغرافيا الاستراتيجية والدبلوماسية متعددة الاتجاهات

لطالما شكّلت مصر ركيزة مركزية في الدبلوماسية الشرق أوسطية. فمنذ عهد جمال عبد الناصر وصولًا إلى القيادة الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي، أظهرت القاهرة مرارًا قدرتها على الحفاظ على قنوات الحوار مع القوى العالمية المتنافسة. وفي عهد الرئيس السيسي، حوّلت مصر هذه الميزة الجغرافية إلى سياسة خارجية متعددة الاتجاهات. فقد عمّقت القاهرة شراكتها الاستراتيجية مع بكين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها الأمنية والاقتصادية الحيوية مع واشنطن وأوروبا ودول الخليج.وبالنسبة إلى الصين، تقدم مصر شيئًا نادرًا في المنطقة: موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، ونفوذًا دبلوماسيًا، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الأفريقية، ودورًا محوريًا في حركة الشحن العالمية. أما بالنسبة إلى مصر، فتمثل الصين شريكًا قادرًا على توفير رأس المال والخبرات الصناعية ونقل التكنولوجيا، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي.

 

محور قناة السويس والتكامل الاقتصادي

يرتكز التوافق الاقتصادي الأساسي بين بكين والقاهرة على قناة السويس. فبالنسبة إلى بكين، تمثل القناة شريانًا حيويًا يربط مراكز التصنيع الآسيوية بالأسواق الأوروبية وشمال الأفريقية. وبالنسبة إلى القاهرة، تشكل القناة حجر الأساس لطموحها الاقتصادي الوطني. ومن خلال تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ، تساعد الاستثمارات الصينية في تحويل مصر من مجرد طريق تقليدي للعبور إلى منصة نشطة للتصنيع والخدمات اللوجستية تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.وتتوسع هذه الشراكة بسرعة إلى ما هو أبعد من البنية التحتية الأساسية. فالقاهرة تسعى بنشاط إلى تعميق التعاون مع بكين في قطاعات حديثة وعالية النمو، من بينها الطاقة المتجددة، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم. وعلاوة على ذلك، تنظر بكين إلى مصر باعتبارها منصة أساسية لتوسيع حضورها الاقتصادي في مختلف أنحاء أفريقيا، مستفيدةً من اتفاقيات التجارة الإقليمية التي ترتبط بها مصر ومن قربها الجغرافي بوصفها جسرًا إلى الأسواق القارية.

 

ركيزة إقليمية متعددة الأقطاب

تكمن أهمية زيارة الرئيس شي في ما تكشفه عن استمرار أهمية مصر في نظام دولي متغير. ففي وقت يزداد فيه الشرق الأوسط انقسامًا وتت المنافسة بين القوى الكبرى، أصبحت الدول القادرة على الحفاظ على قنوات اتصال متعددة بمثابة ركائز استراتيجية. ولا تنبع قيمة مصر من انحيازها إلى طرف في كل نزاع، بل من قدرتها على البقاء لاعبًا مؤثرًا في ساحات متعددة في الوقت نفسه.وفي نهاية المطاف، تعكس قمة شي–السيسي تقاربًا واضحًا في المصالح الوطنية. فالصين تحتاج إلى ممرات تجارية موثوقة، وشركاء إقليميين مستقرين، وإمكانية الوصول إلى الأسواق في مختلف أنحاء الجنوب العالمي؛ بينما تحتاج مصر إلى الاستثمار، والتصنيع، وتنويع تحالفاتها الدبلوماسية. ومع تحوّل السياسة العالمية نحو تعددية الأقطاب، ستظل هذه الشراكة محورية في التوازن الاقتصادي والاستراتيجي للعالم العربي وأفريقيا.

هەلو حسن سعيد كاتب وصحفي وباحث كردي عراقي، ومؤلف كتابين عن جمهورية الصين الشعبية.


أخبار ذات صلة