شعار الموقع
العربية | 中文 | English

بين أفول الغرب وبزوغ الشرق: قراءة في دلالات زيارة الملك التاريخية للصين. بقلم: د. محمود الشوابكة

2026-08-21

قبل بضع سنين، وفي ذروة استعار جائحة كورونا، طالب جلالة الملك بتصحيح مسار العولمة. قالها في أتون الأزمة، فلم تلتقط نخبنا ولا مناهضو العولمة تلكم الصيحة الأممية. ففي كورونا، تجلت عورات النظام العالمي، ومدى الأنانية الكامنة فيه، وحجم التجرد الأخلاقي الذي يضرب في صميم بنيته. وتلك هي غضبة الرئيس الصربي الذي استشاط غضباً حين امتنعت دول الاتحاد الأوروبي –التي كانت تحرضه على مقاطعة المنتجات الصينية– عن بيع بلده معدات طبية كان في أمسّ الحاجة إليها، بحجة حظر تصديرها للدول غير الأعضاء.
ذلك هو النظام الرأسمالي، الذي تتجلى علامات توحشه أكثر فأكثر حين يكون العالم أحوج ما يكون إلى الإخاء والتضامن الإنساني.


اليوم، قد تكشفت عورات هذا النظام العالمي، الذي أُرسيت قواعده بعد الحرب العالمية الثانية على إرث استعماري استعبادي تبلورت مفاهيمه وبناه في سياق عميق، كُتِبَتْ أول فصوله على أيدي البحارة الإيبيريين، وسيد ذكرهم فاسكو دا غاما حين عبر رأس الرجاء الصالح (الذي اكتشفه دياز قبله بيسير) واصلاً إلى الهند عام 1497. ليفتح الأبيض المتغطرس، عبر القرون الخمسة التالية، كل أبواب الجحيم على أمم المعمورة دونما استثناء.


قرون كتبها "الإنسان الأبيض" بالدم والبارود؛ بدءاً بالأرض التي يسميها أهلها (أبيا يالا) (أمريكا اليوم)، إلى أقصى جنوب إفريقيا ومعظم القارة لاحقاً، وصولاً إلى أوقيانوسيا، ثم شبه القارة الهندية، وصولاً إلى معظم دول آسيا، ونحن منها، في نكبات أصابنا بها الغرب وسيدته البريطانية آنذاك على وجه الخصوص، لنعيش اليوم أسوأ فصولها بعدما نكب الغرب أمتنا حين اغتال مشروع الحسين بن علي لبناء الأمة، ثم قَسَّمَها إلى دويلات، وزرع فيها قاعدة متقدمة له في أرضنا أُوكل إليها إجهاض كل محاولة لإعادة اللحمة بين أبنائها، أو الإمساك بطرف خيط من خيوط الانعتاق والتطور.

واليوم، نشهد على المستوى العالمي حالة مخاض مكتملة الأركان إيذاناً بولادة نظام جديد بدأت معالمه تلوح في الأفق، بوادره جلية في حجم الانفعال الذي يبديه حماة قيم الرأسمالية العالمية، وسيدهم الأمريكي على وجه الخصوص، وهم يرون خروج الحالة الصينية عن أدنى إمكانات السيطرة أو الاستيعاب.
وأمام هذا الحال، وفي ظل مرحلة تحاول فيها إسرائيل استغلال الوضع الراهن لتمديد نفوذها بعد أن حطّم آباؤها الغربيون أركان العالم العربي، تبدو الفرصة ثمينة للولوج إلى الصين من الباب الواسع.

نشهد اليوم بأم أعيننا كيف تفوقت الصين على الغرب في مجالات كانت حِكراً عليه؛ فهذا التطور الذي بلغته جاء بوتيرة أسرع –وربما أسرع بكثير– مما توقعه العالم، ليضعنا أمام مشهد غير مسبوق منذ ما لايقل عن ثلاثة قرون.

فبعد أن هيمن الغرب على العالم طيلة تلك الفترة، محتكراً توليد العلوم والمعارف الحديثة، وقطع سبل الوصول إليها، نُقضت هذه المعادلة اليوم على يد الصين، التي باتت –مع ما وصلت إليه من تطور تكنولوجي مذهل– قطباً مكتمل الأركان، معلنةً نقل ثقل توليد المعارف إلى الشرق.

أمام ذلك كله، وفي ظل السلوك الاستبدادي للغرب في التعامل مع أمم الأرض، وجعل علومه أداة للاستعباد لا للاستنارة والتحرر، نجد نقيض ذلك في الصين، الحال الذي تتجلى فيه فرصة تاريخية للدول العربية لا لبناء شراكات عميقة وواسعة مع الصين وحسب، بل واقتفاء أثرها في النموذج الاقتصادي المتبع، والتخلص، وفق رؤية جماعية ممنهجة، عن منهج اقتصاد السوق الذي فرضه الغرب، بما لديه من قوة ناعمة تتمثل في منظمة التجارة العالمية ومؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير)، أو بما يمتلكه من فائض قوة عسكرية وسياسية.

نعم، التخلص من اقتصاد السوق الذي عَمَّق الفقر والبطالة في مجتمعاتنا وزعزع توازنها وفكك عراها، والوقوف ملياً عند تجربة الصين التي حققت لها ما هي عليه من نجاح مذهل، والمتمثلة في "مذهب دُنغ" الذي تبنى بمقتضاه منهجاً اقتصادياً يمزج بين النظريتين الاشتراكية والرأسمالية –وهو بالمناسبة عين ما يقوم عليه في أصله الاقتصاد الإسلامي– وهو المنهج الذي جعل عماد اقتصاد الدولة يقوم على الأخذ بالملكية الفردية (القطاع الخاص)، والملكية المشتركة (شركات قائمة على شراكات بين الدولة والقطاع الخاص)، والملكية العامة (شركات مملوكة للدولة)؛ وهو النموذج الذي استطاعت من خلاله الصين تحقيق التنمية لمليار ونصف المليار من البشر، ووضع اقتصادهم في قمة اقتصادات العالم باعتباره أكثر الاقتصادات نمواً قياساً بالحجم، وجعل الدولة الصينية أكثر منعة وقوة ومهابة.
وهنا في الأردن، نجد أن زيارة الملك –التي جاءت في وقت بالغ الأهمية– تعد محطة استراتيجية كبرى ذات دلالات كبيرة، تقوم على الوعي العميق بمآلات تغير موازين القوى الكبرى، هدفها مد جسور التعاون مع هذه الدولة المعجزة؛ شراكات مبتدأها الجامعات ومؤسسات البحث العلمي لرفد النشء بالمعارف الجديدة، وصولاً إلى القطاعات الصناعية بمختلف أشكالها، وهو عين ما ركز عليه جلالته في زياراته المكثفة وفي مختلف المجالات للبلاد الصينية.

وإن ذلك ليستدعي من الدول العربية أن تقف اليوم وقفة مراجعة مع الذات، لتقول كلمتها وتحسم أمرها، وتتخذ موقفاً واضحاً تعلي فيه مصالحها التي ثبت دون أدنى شك أنها ليست مع الولايات المتحدة ولا مع أوروبا، وأن عليها أن تشرع دون إبطاء في بناء شراكات مع الصين في كل المجالات.

 


أخبار ذات صلة