هەلو حسن سعيد
نادراً ما يعود التاريخ إلى الواجهة بصخب. غالباً ما يتسلل بهدوء، متخفياً في نقاشات سياسية، أو مواعيد انتخابات مبكرة، أو مصطلحات جديدة تظهر فجأة في الخطاب العام. غير أن المتابع لمسارات التاريخ الطويلة يدرك أن هذه العلامات ليست عابرة. فما يجري اليوم في شرق آسيا والولايات المتحدة لا يمثل أحداثاً منفصلة، بل أعراضاً مترابطة لتحول عالمي أعمق، تتزايد فيه هشاشة الداخل وتنعكس مباشرة على سلوك الدول في الخارج.
طوكيو وسياسة «الطوارئ الدائمة»
تقف اليابان اليوم عند مفترق تاريخي حساس. فالتوترات المتصاعدة مع الصين، ولا سيما بعد تشديد بكين القيود على تصدير المواد النادرة والسلع ذات الاستخدام المزدوج، تحولت سريعاً إلى رافعة سياسية داخلية. رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، التي تسلمت منصبها في الخريف الماضي، تلوّح بإمكانية حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات مبكرة في أواخر يناير.المنطق هنا ليس جديداً: الضغط الخارجي يُستخدم لتوليد تماسك داخلي. حملة انتخابية قصيرة تُبنى على خطاب أمني وقومي تحت شعار «حماية اليابان من الجيران القسريين» قد تمنح الحكومة تفويضاً يسمح بتمرير أجندة أكثر وضوحاً في نزعتها المراجِعة، تشمل تعديل الدستور، زيادة الإنفاق العسكري، وتعميق الاندماج في استراتيجية «الردع المتكامل» التي تقودها الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ.الخطر لا يكمن فقط في السياسات، بل في الذهنية السياسية نفسها. عندما تتحول حالة الطوارئ إلى وضع دائم، تفقد الإجراءات الاستثنائية طابعها المؤقت وتغدو قاعدة. التاريخ يخبرنا أن المراحل المتأخرة من التكتلات الإمبراطورية لا تنبع من الثقة، بل من القلق، حيث يُستخدم التسلح واستدعاء الهوية كوسيلة لتثبيت مسار آخذ في التآكل. وإذا استقرت اليابان في هذا الاتجاه، فإن تداعياته لن تقتصر عليها وحدها.
«خطّ الإهمال القاتل» وتشريح التآكل الداخلي الأمريكي
على الضفة الأخرى من المحيط الهادئ، برز مفهوم مختلف شكلاً لكنه عميق الدلالة مضموناً. في 13 يناير، ظهر مصطلح «خطّ القتل» – الذي يمكن توصيفه عربياً بـ«خطّ الإهمال القاتل» – في الصفحات الأولى لكل من نيويورك تايمز والإيكونوميست. اللافت أن المصطلح لم يصدر عن مراكز أبحاث أو نخب سياسية، بل عن طالب طب صيني يعمل جزئياً في مجال رعاية الموتى داخل الولايات المتحدة.يلخص المفهوم اللحظة التي تتحول فيها الهشاشة الاقتصادية والتشرد والإهمال البنيوي إلى موت فعلي. وسرعة انتشاره، خاصة بين الصينيين الذين عاشوا في الولايات المتحدة، تكشف مدى وضوح التشققات الاجتماعية الأمريكية حتى في نظر المراقبين الخارجيين.أهمية «خطّ الإهمال القاتل» لا تكمن في وجود الفقر بحد ذاته، بل في طريقة تعامل الدولة معه. فالولايات المتحدة، رغم إمكاناتها الهائلة وقدرتها على إسقاط القوة عالمياً، تبدو عاجزة بنيوياً عن صياغة استجابة متماسكة لمعاناة إنسانية داخل حدودها. الانقسام الحزبي يشل القرار الداخلي، بينما تُستنزف الطاقة السياسية في مغامرات خارجية.
مقاربتان مختلفتان لمعنى القوة
في المقابل، تبرز التجربة الصينية كنموذج مغاير. فمن خلال الزيارات المتكررة إلى الصين، يصعب تجاهل حجم واستمرارية برامج مكافحة الفقر. فإعلان القضاء على الفقر المدقع عام 2020 لم يُعامل كنقطة نهاية، بل كنقطة انطلاق، تلتها آليات مؤسسية لمنع عودة الفقر عبر التعبئة الجماعية والتخطيط طويل الأمد.هذا التباين يعكس اختلافاً جذرياً في فهم مسؤولية الدولة. نموذج يرى في التماسك الداخلي أساس الشرعية، وآخر يحاول تعويض التآكل الداخلي بإسقاط القوة في الخارج. تاريخياً، كثيراً ما سبق هذا النمط الثاني مراحل تراجع إمبراطوري، حين تُستخدم الهيمنة الخارجية لإخفاء أزمات الداخل.
التاريخ ليس وراءنا
ما يحدث في طوكيو وواشنطن لا ينبغي قراءته بمعزل عن بعضه البعض. كلاهما فصل من قصة واحدة: نظام دولي مأزوم، تلجأ فيه قوى راسخة إلى إحياء عقائد قديمة وتحالفات صلبة وخطابات عسكرية لمواجهة حالة عدم يقين متزايدة.في هذا السياق، لا يكون التاريخ مجرد مقدمة بعيدة، بل شريكاً فاعلاً في كتابة الحاضر. فهو يضيق الخيارات، ويمنح القرارات معناها، ويذكّرنا بأن التراجع نادراً ما يُعلن صراحة، بل يتسلل عبر «التطبيع»: تطبيع الطوارئ، تطبيع اللامساواة، وتطبيع التناقض.أما مهمة الكتّاب والمحللين، فلا تقتصر على تسجيل الوقائع، بل على وضعها ضمن مساراتها التاريخية الأوسع. عندها فقط يمكن التمييز بين الأمن الحقيقي، والأوهام التي تصنعها الإمبراطوريات وهي تحاول التمسك بالحاضر.