يُعدّ عام 2026 "عام التبادل الثقافي والإنساني الصيني-الأفريقي". إن الصداقة الشعبية تشكّل حجر الأساس المهم للعلاقات الصينية-الأفريقية، والتبادلات الثقافية والإنسانية هي مصدر القوة الدافعة لاستمرار الصداقة بين الأجيال. وبمناسبة مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وأفريقيا، يكتسي تعزيز الحوار والتعاون الصيني-الأفريقي أهمية بالغة، وذلك من خلال التركيز على الطابع الشعبي والاندماجي والمشترك، واستشراف مجالات التبادل في الثقافة والتكنولوجيا والرفاه الاجتماعي والتنمية الخضراء، وحشد الجهود من مختلف الأطراف بما في ذلك الشباب والنساء ووسائل الإعلام. وفي إطار الحلقة السادسة من سلسلة "حوار الجنوب العالمي"، دعونا عددًا من الخبراء والباحثين الصينيين والأفارقة لمناقشة موضوع: "تعزيز تنمية الشباب معًا وبناء بيئة مواهب صينية-أفريقية مُوجَّهة نحو المستقبل".
المدّ الشبابي في أفريقيا: أصلٌ استراتيجي ينتظر إطلاقه
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنه حتى يناير 2026، تجاوز عدد سكان أفريقيا 1.57 مليار نسمة، أي ما يعادل زيادة بنسبة 600% منذ عام 1950. ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 4 مليارات نسمة بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين، أي ما يمثل حوالي 38% من سكان العالم.
ومع ذلك، هناك اختلافات واضحة في توزيع السكان ومعدلات النمو بين مناطق أفريقيا. فتتصدر وسط أفريقيا أعلى معدل نمو سكاني (3%)، تليها شرق أفريقيا وغربها. أما من حيث الحجم السكاني، فإن شرق أفريقيا تحتل المرتبة الأولى (33%)، ثم غرب أفريقيا (30%)، شمال أفريقيا (17.83%)، وسط أفريقيا (14.16%)، بينما تأتي جنوب أفريقيا في المرتبة الأخيرة (4.8%). ويتميز التركيب العمري بشكل خاص: 60% من السكان دون سن 25 عامًا. ومن المتوقع أن تصل نسبة الفئة العمرية بين 15 و34 عامًا إلى 73% بحلول عام 2050... إذن، هل سيصبح هذا العدد الهائل من الشباب ذا طاقة دافعة لانطلاق التنمية في أفريقيا، أم قنبلة موقوتة؟
تخوض أفريقيا تحولًا ديموغرافيًّا عميقًا يمنحها فرصة "مرة واحدة في الجيل" للاستفادة من "الفرصة الديموغرافية" لتحقيق تسارع اقتصادي.
ويُقصد بـ"الفرصة الديموغرافية" تلك المرحلة التي يزداد فيها عدد السكان في سن العمل (15–64 عامًا) مقارنة بعدد المعالين (الأطفال وكبار السن)، مما يطلق إمكانات نمو اقتصادي أسرع. ومع انخفاض معدلات المواليد، تُحرَّر موارد اجتماعية إضافية يمكن توجيهها للاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري والإنتاجية، ما يخلق نافذة مؤقتة لتعزيز الازدهار الاقتصادي، شرط وجود سياسات رشيدة وخلق فرص عمل كافية. وللاستفادة من هذه الفرصة ومواجهة التحديات الجديدة الناتجة عن التحوّل الديموغرافي، يتطلب الأمر سياسات استباقية لإدارة الديناميكيات السكانية المتنامية بشكل فعّال.
لكن أفريقيا تواجه تحديات متعددة وخطيرة في تحقيق هذه الفرصة الديموغرافية، منها: بطء انخفاض معدلات الخصوبة، وضعف خلق فرص العمل (خاصة في الصناعات التحويلية)، وضعف جودة التعليم، وعدم توافق المهارات مع احتياجات سوق العمل، وضعف الحوكمة والبيروقراطية، ونقص الاستثمار في الصحة والبنية التحتية، وعدم الاستقرار السياسي والصراعات المتكررة، والاعتماد المفرط على صادرات السلع الأساسية مثل الموارد الطبيعية. وتعيق هذه العقبات الهيكلية تحويل البنية السكانية المواتية إلى نمو اقتصادي وابتكار حقيقيَّين. ولذا، إذا لم تُعالج هذه المشاكل، فإن التضخم السكاني للشباب لن يكون "منحة" بل قد يتحوّل إلى عبء.
يتميّز الوضع الديموغرافي الحالي في أفريقيا بعدة سمات رئيسية:
أولاً، يشهد القارّة "انتفاخًا شبابيًّا" واضحًا وتوسّعًا سريعًا في قوة العمل. فخلال العقود القادمة، سيزداد عدد السكان في سن العمل في أفريقيا بشكل كبير سواء من حيث العدد المطلق أو نسبته العالمية، ما يجعل القارة مركزًا رئيسيًّا لتجمع قوى العمل العالمية في المستقبل.
ثانيًا، لا يتماشى التحوّل الديموغرافي في أفريقيا بشكل متجانس؛ إذ يختلف تقدّم انخفاض معدلات الخصوبة وتحسّن نسبة الإعالة بين الدول والمناطق دون الإقليمية، ما يولّد "نافذة فرصة ديموغرافية" غير متجانسة: بعض الدول دخلت بالفعل مرحلة يمكنها فيها الاستفادة الكاملة من قوة العمل، بينما لم تصل دول أخرى إليها بعد. وفي الوقت نفسه، يتسارع التحضر في القارة بشكل عام، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان المدن بحلول منتصف القرن. وهذا يجلب إمكانات تجميع اقتصادية، لكنه في المقابل يفرض ضغوطًا هائلة على الإسكان والخدمات العامة وقدرات الإدارة الحضرية.
وبالتالي، تواجه أفريقيا قيدين رئيسيين في مسار حداثتها:
من جهة، يتأخر التحوّل الهيكلي لاقتصاداتها مقارنة بالتغيرات السكانية. فالحداثة تعني في جوهرها تحويل الإنتاجية، ويتطلب ذلك نقل العمالة من الأنشطة ذات الإنتاجية المنخفضة إلى القطاعات والمؤسسات ذات الإنتاجية العالية. لكن في الواقع، يفوق نمو قوة العمل في كثير من مناطق أفريقيا قدرة القطاعات الرسمية المنتجة على خلق فرص عمل، وهو ما يشكّل عنق الزجاجة الأساسي في عملية التحديث الأفريقية.
ومن جهة أخرى، لا يزال مستوى رأس المال البشري عائقًا جوهريًّا أمام تحقيق الفرصة الديموغرافية. فضعف جودة التعليم الأساسي يقلّل من قابلية العمال للتدريب، ويؤخّر قدرة الشركات على تطوير وظائف محلية ماهرة، ما يحدّ بدوره من تحسين الإنتاجية.
أفريقيا اليوم هي القارة الأكثر شبابًا في العالم. وهذه الحقيقة السكانية تمثل فرصة، لكنها أيضًا تستدعي إحساسًا بالإلحاح. ومع ذلك، هناك نقطة أكثر جوهرية: الشباب ليسوا عبئًا يحتاج إلى "الإدارة"، بل هم أصول استراتيجية تنتظر إطلاق طاقاتها.
غالبًا ما يُفهم تحدي الشباب في أفريقيا خطأً على أنه مشكلة في حجم السكان. في الحقيقة، إنه تحدٍّ نظامي يتطلب التنسيق. خلال العقدين الماضيين، وسّعت الدول الأفريقية نطاق التعليم والوصول إلى الإنترنت. وساهم ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس وزيادة الوصول الرقمي في تمكين الشباب من المشاركة في ريادة الأعمال والخدمات الرقمية. لكن هذه الإنجازات لم تترافق دائمًا مع توسع متناسب في القطاعات الإنتاجية القادرة على استيعاب القوى العاملة الجديدة. فمعظم الشباب الأفريقي، رغم جهدهم، لا يزالون يعملون في أنشطة غير رسمية ومنخفضة الإنتاجية. وهذا يعكس أن الاقتصاد لا يزال في طور الانتقال نحو إنتاج ذي قيمة مضافة أعلى، وليس أن الشباب يفتقرون إلى الطموح أو الكفاءة.
لذا، المشكلة الحقيقية ليست في عدد الشباب، بل في وجود أنظمة مناسبة لتحويل طاقاتهم إلى إنتاجية وابتكار وقيادة. فالنمو لا يأتي تلقائيًّا من السكان، بل من الاستراتيجيات. وهنا يبرز أهمية التعاون الصيني-الأفريقي. فلدى الصين خبرة فريدة في تطوير المهارات على نطاق واسع، والتحول الصناعي، والتخطيط طويل الأجل، ويمكن لأفريقيا أن تستفيد منها لتحويل سكانها الشباب إلى محرك قوي للتنمية والحداثة.
يمكن لأفريقيا أن تستفيد من التجربة الصينية في تنمية الشباب
الشرط الضروري لاستغلال أفريقيا لموجة الشباب وتحقيق الفرصة الديموغرافية هو دفع التكامل القاري. فمآسي الشباب الأفريقي الذين يخاطرون بحياتهم في محاولة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا هي جرس إنذار. إذا تم دمج هذا البُعد السكاني الجديد في التخطيط الجماعي، فسيكون هناك أمل حقيقي في نهضة القارة. والاستثمار الاستراتيجي في الشباب الأفريقي أمر بالغ الأهمية للاستفادة من الفرصة الديموغرافية. إن تشتت الجهود بين 54 دولة بشكل منفصل يجعل القوة ضعيفة للغاية.
إن نظرة الأفارقة لأنفسهم تعد مؤشرًا مهمًا لمزاج القارة. فقد أظهر استطلاع رأي نُشر في أكتوبر 2025، شمل أكثر من 12 ألف بالغ من 10 دول تمثّل المناطق الرئيسية في أفريقيا، أن الغالبية العظمى منهم متفائلة بشأن مستقبلها الشخصي ومستقبل بلادها (70% متفائلون، 25% متشائمون)، دون فروق جوهرية بين الجنسين، لكن مع اختلافات واضحة بين الدول. وكانت أكثر الدول تفاؤلًا هي مصر وغانا ونيجيريا (بين 90% و75%)، بينما كانت أقل تفاؤلًا إثيوبيا وجنوب أفريقيا (59% و57%). ولتحقيق هذا التفاؤل، يجب وضع سلسلة من الاستراتيجيات طويلة الأجل تشمل التشغيل والتعليم وغيرها.
حدّدت "جدول أعمال أفريقيا 2063"، وهو الرؤية الاستراتيجية للاتحاد الأفريقي، بوضوح المنهجية طويلة الأجل لمعالجة قضية الشباب. وتتمثل رؤيته الأساسية في "أفريقيا يحظى شبابها بتعليم جيد، ويمتلك المهارات، ويحصل على وظائف منتجة، ويشارك بفعالية في تشكيل الحياة الاقتصادية والسياسية". باختصار، تحويل الشباب الأفريقي من هامش التنمية إلى مركزها.
ويمنح إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) زخمًا جديدًا لهذه الرؤية. فمن خلال خلق سوق قارية موحدة، توفّر AfCFTA للشركات التي يقودها الشباب – سواء في الصناعات التحويلية أو تصنيع المنتجات الزراعية أو الخدمات الرقمية أو اللوجستيات أو الصناعات الإبداعية – فرصًا للنمو عبر الحدود. ويمكن الآن لروّاد الأعمال الشباب تجاوز أسواقهم المحلية الضيقة وتصميم أعمالهم لتناسب سلاسل القيمة الإقليمية. كما تدعم AfCFTA تشغيل الشباب من خلال زيادة الطلب على المهارات في مجالات تسهيل التجارة والامتثال للمعايير والنقل.
ويُعدّ كل من "جدول أعمال 2063" ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية بمثابة تحول من الرؤية إلى التنفيذ. ويشدّدان على فكرة جوهرية: أن "منحة الشباب" الأفريقية لا يمكن تحقيقها فقط عبر السياسات الوطنية، بل تتطلب أيضًا التكامل القاري الذي يربط الشباب بأسواق أوسع وسلاسل قيمة أعمق وازدهار مشترك.
يمكن لأفريقيا أن تستفيد من تجربة الصين في استراتيجياتها المتعلقة بالتنمية والحداثة والفرصة الديموغرافية. فخطة الصين "للتنمية المتوسطة والطويلة الأجل للشباب (2016–2025)"، على سبيل المثال، تحقق نموًّا شاملاً في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والاندماج الاجتماعي من خلال تنسيق السياسات الداعمة.
كما ينبغي لأفريقيا أن تستفيد من منصات مثل مبادرة "الحزام والطريق" ومنتدى التعاون الصيني-الأفريقي لتعلم كيفية تبني استراتيجيات صينية تركّز على التدريب المهني للشباب، بهدف إعداد جيل شاب وطني، ماهر، وذو رؤية عالمية.
في الوقت الحالي، تنتقل استراتيجية الصين المتعلقة بالفرصة الديموغرافية من الاعتماد على القوى العاملة الكبيرة إلى "الفرصة الديموغرافية الثانية"، التي تركز على رفع جودة السكان وتنمية اقتصاد عالي التقنية وقوة عاملة أكثر كفاءة وإنتاجية. ويمكن لأفريقيا أن تستفيد من هذه التجربة لربط تنميتها الاقتصادية بالتغيرات الديموغرافية، وتصميم سياسات استباقية تنسّق بين النمو الاقتصادي ورأس المال البشري (التعليم والصحة)، وتدعم تنظيم الأسرة، وتدفع الصناعة كثيفة العمالة، وتنوّع الاقتصاد، وتبني البنية التحتية، لتحويل الزيادة السكانية للشباب من عبء محتمل إلى فرصة ديموغرافية مستدامة.
لا تمثّل التجربة الصينية حلاً جاهزًا يمكن نسخه ببساطة لمواجهة التحديات الهيكلية في أفريقيا، بل تقدم إرشادات مبدئية.
غالبًا ما تُلخّص الممارسة الصينية بأنها سلسلة إصلاحات منسّقة حول تحويل البنية السكانية المواتية إلى نمو في الإنتاجية. لكن إطلاق هذه "المنحة" حقًّا يعتمد على إصلاحات عميقة تُعيد توزيع القوى العاملة وتنشئ فرص عمل على نطاق واسع. وهذا يعني وجوب الجمع بين "الاستثمار في الإنسان" و"الاستثمار في البنية التحتية".
فأثناء بناء البنية التحتية والقدرات الصناعية على نطاق واسع، يجب تنفيذ برامج اجتماعية متزامنة مثل نشر التعليم الأساسي، وبناء أنظمة المهارات، وتحسين الصحة العامة، لضمان قدرة النمو على استيعاب القوى العاملة. بالإضافة إلى ذلك، يجب اتباع "مسار صناعي قائم على المنصات"، عبر الاعتماد على المناطق الاقتصادية الخاصة والمجمعات الصناعية لدمج فرص العمل مع التعلّم العملي ("التعلّم أثناء العمل") وتنمية المورّدين المحليين، بحيث لا تصبح الصناعة كثيفة العمالة مجرد محرك للتشغيل، بل تتطوّر عبر الشركات وسلاسل التوريد والتعاون المحلي إلى نظام تدريبي عملي فعّال.
ولا تعتمد كمية "المنحة الديموغرافية" فقط على مدى "شباب" البنية السكانية، بل على قدرة المدن والقطاعات الرئيسية على إنشاء قناة تحويل فعّالة: من التعليم المدرسي إلى التدريب المهني، ثم إلى التوظيف في الشركات، وأخيرًا إلى تحسين الإنتاجية على نطاق واسع، لتحويل طاقات الشباب الهائلة فعليًّا إلى قوة دافعة للتنمية.
لماذا يعد التعاون بين أفريقيا والصين مهمًّا بشكل خاص؟
في ظل تطلّع القارة بأكملها إلى الحداثة، أصبحت أفريقيا سوقًا مفتوحًا ضخمًا. فهي بحاجة إلى جميع أنواع البنية التحتية – الطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الكهرباء – وكذلك إلى القدرة على تحويل المواد الخام محليًّا إلى منتجات ذات قيمة مضافة للتصدير.
التعليم، الصحة، التشغيل، البنية التحتية، البيئة السياسية... إذا أردنا حقًّا أن يسهم الشباب في ازدهار القارة مستقبلاً، فعلينا أولاً الاستعداد في هذه المجالات وتهيئة "المسرح" المناسب لهم.
من المطمئن أن العديد من الدول الأفريقية والمؤسسات الدولية وضعت بالفعل سياسات وخططًا تركز على الشباب. فعلى سبيل المثال، أطلقت "البنك الأفريقي للتنمية" "استراتيجية تشغيل الشباب الأفريقي (2016–2025)"، التي تركّز على ثلاثة مجالات ذات إمكانات عالية لدمج الشباب: الزراعة، والتصنيع، وتكنولوجيا المعلومات، وتعتمد على التعليم والتدريب لتحقيق أهدافها. كما وضعت دول مثل مصر وغانا والمغرب وجنوب أفريقيا استراتيجيات وطنية خاصة بالتشغيل الشبابي. وعلى الرغم من الاختلافات بين هذه الاستراتيجيات، إلا أنها جميعًا ديناميكية وقابلة للتكيف، وتهدف إلى تلبية احتياجات سوق العمل واحتياجات الشباب المتغيرة باستمرار.
يكتسب التعاون الصيني-الأفريقي أهميته الخاصة اليوم لأنه يقع بالضبط عند تقاطع الشباب والتصنيع والتخطيط التنموي طويل الأجل. فخلافًا للشراكات التي تركز فقط على المساعدات أو التدخلات قصيرة الأجل، يرتبط التعاون الصيني-الأفريقي دائمًا ارتباطًا وثيقًا بالقطاعات الإنتاجية مثل البنية التحتية والتصنيع والزراعة والتكنولوجيا وتنمية المهارات. فالمصانع والمناطق الاقتصادية التي تدعمها الصين تخلق بيئات تربط التدريب المهني مباشرة بالإنتاج. ففي دول مثل إثيوبيا ومصر، أوجدت الصناعات الخفيفة مثل النسيج والملابس وظائف صناعية أولية تتيح للعمال الشباب الانتقال من التدريب المهني إلى الوظائف في المصانع.
وإلى جانب التصنيع التقليدي، يتوسع التعاون الصيني-الأفريقي باستمرار. ففي مجال الاقتصاد الرقمي، تدعم الشركات والمنصات الصينية (مثل التجارة الإلكترونية والدفع عبر الهاتف المحمول) الشباب الأفريقي ليشاركوا كمطورين ومسوّقين وروّاد أعمال. وفي الاقتصاد الأخضر، تفتح الشراكات في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة الذكية مناخيًّا آفاقًا وظيفية جديدة في التركيب والصيانة والخدمات البيئية.
عندما تُنشئ مبادرات الشباب مسارات واضحة من التعليم إلى العمل، ومن المهارات إلى ريادة الأعمال، ومن السوق المحلية إلى سلاسل القيمة الإقليمية، فإن تأثيرها سيكون أعظم. ويمكن للتعاون الصيني-الأفريقي أن يعزز هذه المسارات من خلال ربط مشاريع الشباب بـ"الممرات الصناعية" و"مراكز الخدمات اللوجستية". وعندما يُدمج الشباب في هذه الأنظمة، يصبح التعاون ليس مشروعًا اجتماعيًّا إضافيًّا، بل ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي.
استنادًا إلى ألابحاث على مستوى المناطق الصناعية والشركات، فإن أحد أهم نقاط الدخول هو ربط الاستثمار في الشركات بمؤسسات التعليم والتدريب المحلية بشكل عميق. وهذا يخفف بشكل فعّال من اختناقات العمالة الماهرة، ويحوّل الاستثمارات الرأسمالية فعليًّا إلى قدرات تنمية محلية طويلة الأجل.
لقد بدأت العديد من الشركات بالفعل في محاولات مشابهة، لكن لضمان فعاليتها مستقبلاً، يجب إنشاء آليات شاملة تجعل "تنمية الشباب" نتيجة ملموسة وقابلة للقياس والتقييم ضمن التعاون. ولتحقيق ذلك، يجب تصميم المشاريع التعاونية بشكل منهجي حول مؤشرات قابلة للقياس، مثل: التعليم والتدريب المهني + نظام التلمذة الصناعية، وإنشاء شهادات مهنية قابلة للنقل بين الجهات.
وبجانب التركيز على زيادة عدد الوظائف، يجب أيضًا الاهتمام بتحسين جودتها، ووضع مسارات وظيفية واضحة. كما يجب دعم ريادة الأعمال الشبابية وتطوير المورّدين المحليين، وتوجيه الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يقودها الشباب للاندماج في عقود الشراء والصيانة الخاصة بالشركات الكبرى.
إن التكامل الأكثر متانة واستدامة بين الصين وأفريقيا لا يكمن فقط في التجارة السلعية والربط البنية التحتية، بل في قدرتهما على تحقيق تحول عميق من الاستثمار المالي إلى نمو داخلي في القدرات والإنتاجية المحلية. ويشكّل بناء نظام بيئي للمهارات الآلية الأساسية لهذا التحوّل، ما يعزز في النهاية مرونة الاقتصاد وقدرته على التنمية المستدامة.
يجب أن يستمر التعاون الصيني-الأفريقي في التعمّق في مجالات التصنيع، والاقتصاد الرقمي (الذكاء الاصطناعي، تكنولوجيا الاتصالات)، والطاقة الخضراء، والبنية التحتية (الرقمية والنقل)، والتجارة (دخول الأسواق، رفع القيمة المضافة)، والصحة والدواء، والسلام والأمن. وينبغي أن يركّز على التعاون التقني، وتنمية المهارات، وبناء القدرات المحلية، وأن يتماشى مع أهداف التعاون الإقليمي مثل "اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية"، والاستفادة من منصات الشراكة مثل "منتدى التعاون الصيني-الأفريقي" لتعزيز التعاون في المجالات الحيوية مثل الطاقة النظيفة والتمويل الرقمي.
دولة عظيمة حقّقت هدف الحد من الفقر في "خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030" قبل عشر سنوات من موعدها، وقارة تضم أكبر عدد من الدول النامية في العالم – يجب على الصين وأفريقيا أن ترفعا معًا راية السلام والتنمية والتعاون والمنفعة المتبادلة، وأن تعمّقا بلا تردّد علاقتهما الشاملة والشراكة الاستراتيجية، لتحقيق تعاون عملي عالي الجودة. نأمل أن يواصل الجانبان العمل وفق "رؤية التعاون الصيني-الأفريقي حتى عام 2035" المشتركة، لدفع بناء مجتمع مصير مشترك صيني-أفريقي أكثر تماسكًا.