عمان – خاص
في حوار اتسم بالعمق والشفافية، كشف السفير الصيني لدى المملكة الأردنية الهاشمية، السيد "قوه وي"، عن ملامح استراتيجية بلاده تجاه الأردن والمنطقة، مؤكداً أن العلاقات الثنائية تمر بمرحلة تاريخية من النضوج، مدفوعة بتوافق الرؤى الاقتصادية بين "رؤية التحديث الاقتصادي" الأردنية و"خطة التنمية الخمسية" الصينية.
شراكة اقتصادية عابرة للقطاعات التقليدية
أكد السفير أن الصين تولي الأردن أهمية استثنائية كشريك طبيعي في مبادرة "الحزام والطريق"، مشيراً إلى أن التبادل التجاري شهد قفزات نوعية جعلت من بكين ثاني أكبر شريك تجاري للمملكة.
وفي تفصيل لخطط الاستثمار، أعلن السفير عن رغبة الصين الجادة في الانخراط بمشاريع "الاقتصاد الجديد"، وعلى رأسها مشروع "مدينة عمرة". ووصفها بأنها ستكون مختبراً للتعاون التكنولوجي، حيث تعتزم الشركات الصينية جلب خبراتها في مجالات الهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى بناء منشآت حيوية كالمستشفيات والمدن الطبية ومراكز الأوبرا، لتعزيز البنية التحتية واللوجستية للمملكة.
الاقتصاد الصيني: من "النمو الصاروخي" إلى "الجودة العالمية"
وحول التساؤلات العالمية بشأن تباطؤ معدلات النمو في الصين، قدم السفير قراءة اقتصادية مغايرة؛ حيث أوضح أن بلاده اتخذت قراراً استراتيجياً بالانتقال من "الكم" إلى "الجودة العالية".
وقال السفير: "لم نعد نسعى وراء نسب نمو تتجاوز 7% كما في العقود الأربعة الماضية، بل نركز الآن على استقرار النمو عند حدود 5% مع رفع كفاءة المنتج الصيني ليكون نداً للمنتجات الغربية في الجودة والابتكار". وأضاف أن هذا التحول يهدف إلى ضمان استدامة الاقتصاد الصيني واعتماده على التكنولوجيا المتقدمة بدلاً من الإنتاج الكثيف التقليدي.
رسائل سياسية لتهدئة التوترات الدولية
وفي الشأن الدولي، حرص السفير على إرسال رسائل متوازنة:
العلاقة مع واشنطن: دعا إلى "منافسة عقلانية" تخدم استقرار الاقتصاد العالمي، منتقداً سياسة "الحروب الجمركية أحادية الجانب" التي أطلقتها الإدارة الأمريكية، ومعتبراً أن التنافس بين القوى الكبرى يجب ألا يتحول إلى صراع صفري.
ملف تايوان والسيادة: جدد السفير موقف بلاده الصارم بأن تايوان شأن صيني داخلي، محذراً من أي تدخلات أجنبية تدعم "النزعات الانفصالية"، ومؤكداً التزام بلاده بتحقيق الوحدة الوطنية بالوسائل السلمية مع الاحتفاظ بكافة الخيارات لحماية سيادتها.
الأزمات الإقليمية: أكد على ثبات العلاقة الاستراتيجية مع روسيا، وفي الوقت ذاته دعا إلى حلول سلمية للأزمة الأوكرانية والملف النووي الإيراني، مشدداً على ضرورة احترام سيادة الدول والحوار السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة.
غزة والالتزام الإنساني عبر "البوابة الأردنية"
أفرد السفير مساحة واسعة للقضية الفلسطينية، معتبراً إياها "لب الصراع في الشرق الأوسط". وأكد دعم بكين المطلق لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وعملياً، كشف السفير عن حزمة مساعدات إنسانية صينية جديدة موجهة لقطاع غزة لمواجهة الشتاء القاسي، تشمل ملابس شتوية وخياماً وأدوية. وأشاد بالدور المحوري للأردن، مؤكداً أن هذه المساعدات ستمر عبر الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية ومن خلال جسر الملك حسين، في تأكيد على الثقة الصينية بالدور الأردني الإغاثي.
السفير واللغة العربية: جسور ثقافية
اختتم السفير حديثه بالإشارة إلى تجربته الشخصية، حيث يتقن اللغة العربية منذ دراسته لها في جامعة بكين في التسعينيات. وأعرب عن سعادته بالعودة إلى الأردن سفيراً بعد أن زاره لأول مرة قبل 20 عاماً، مؤكداً أنه سيبذل قصارى جهده لتعميق هذه الروابط التاريخية وتحويلها إلى منافع ملموسة للشعبين الصيني والأردني.