هەلو حسن سعيد
لم تعد الإشارات السياسية الصادرة من طوكيو في الأسابيع الأخيرة مجرد مواقف ظرفية أو اختلافات داخلية عابرة، بل باتت تعكس تحولًا مقلقًا في التوجه الاستراتيجي لليابان. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيسة الوزراء اليابانية سانائي تاكاي بشأن تايوان، إلى جانب دعوات علنية من مسؤولين كبار لبحث امتلاك اليابان قدرات نووية، تشير إلى انزياح واضح من سياسة ضبط النفس التي ميّزت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية نحو خطاب تصعيدي يحمل مخاطر إقليمية جسيمة.
من منظور الصين، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سياق أوسع يتمثل في تآكل الأسس التي حافظت على استقرار شرق آسيا لعقود. لقد بُني هذا الاستقرار على مبادئ واضحة: عدم الانتشار النووي، احترام السيادة الوطنية، والالتزام بعدم استدعاء ماضٍ عسكري لا تزال ذاكرته حاضرة بقوة في وعي شعوب المنطقة. إدخال مفاهيم “الردع النووي” إلى الخطاب السياسي الياباني لا يُعد مجرد تغيير لغوي، بل يمثل خرقًا لهذه المنظومة، ويفتح الباب أمام سباق تسلح قد يخرج سريعًا عن السيطرة.وتزداد خطورة هذا المسار عندما يُقحَم ملف تايوان في الحسابات اليابانية.
بالنسبة للصين، قضية تايوان ليست ملفًا خارجيًا ولا ورقة مساومة إقليمية، بل شأن داخلي جوهري يرتبط مباشرة بوحدة الأراضي والسيادة الوطنية. أي محاولة لإضفاء طابع أمني أو دولي على هذه القضية تمثل تجاوزًا واضحًا لمبدأ الصين الواحدة، وهو المبدأ الذي تعترف به اليابان رسميًا وتؤكد عليه في وثائقها الدبلوماسية. الغموض المتعمد أو التلميحات السياسية في هذا السياق لا تخدم الاستقرار، بل ترفع احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي وتزيد من مخاطر الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة.لقد جاءت مواقف الصين، كما روسيا وكوريا الشمالية، حازمة في هذا الإطار. الرسالة واضحة: أمن شرق آسيا لا يمكن أن يُبنى على الاستفزاز، ولا على عسكرة الخطاب، ولا على إعادة إنتاج منطق الحرب الباردة.
بكين لا تسعى إلى الهيمنة، ولا إلى تصدير نموذج أيديولوجي، بل إلى الحفاظ على بيئة إقليمية مستقرة تسمح بالتنمية والتكامل الاقتصادي. أي خطوة يابانية باتجاه التسلح النووي ستُقابل حتمًا بإجراءات مضادة، ليس بدافع التصعيد، بل دفاعًا عن توازن استراتيجي قائم منذ عقود.ولا يقل البعد الرمزي خطورة عن البعد العسكري. فاحتمال قيام رئيسة الوزراء اليابانية بزيارة ضريح ياسوكوني لا يُقرأ في الصين ودول آسيوية أخرى كتحرك بروتوكولي داخلي، بل كإشارة سياسية تعيد إحياء خطاب تبريري لماضٍ عسكري لم يُغلق ملفه التاريخي بعد. في شرق آسيا، لا تُعد الرموز تفاصيل هامشية؛ فهي تؤثر مباشرة في مستوى الثقة بين الدول، وتحدد اتجاه العلاقات السياسية والأمنية.ترى الصين أن الحفاظ على استقرار شرق آسيا يمر عبر مسار واضح لا يحتمل الالتباس: احترام مبدأ الصين الواحدة، رفض التسلح النووي، ضبط الخطاب السياسي، والامتناع عن استخدام الرموز الاستفزازية التي تعيد إنتاج التوتر.
المنطقة حققت إنجازاتها الاقتصادية والتنموية عبر التعاون، لا عبر العسكرة، وأي خروج عن هذا المسار سيُعرّض هذه المكاسب للخطر.اليوم، تقف اليابان أمام خيار استراتيجي حاسم. إما الاستمرار في دورها كقوة اقتصادية سلمية مسؤولة تُسهم في الاستقرار الإقليمي، أو الانزلاق نحو سياسات ستجعلها مصدر توتر دائم في منطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد. من منظور صيني، الاستقرار ليس شعارًا سياسيًا يُرفع عند الحاجة، بل التزام عملي طويل الأمد، ومن يفرّط به يتحمل مسؤولية نتائجه على الأمن الإقليمي والدولي.