شعار الموقع
العربية | 中文 | English

أصل مهرجان منتصف الخريف في الثقافة الصينية

2025-12-21

في اليوم الخامس عشر من الشهر الثامن وفقًا للتقويم القمري الصيني، يُحتفل بعيد منتصف الخريف، وهو عيد تقليدي في الصين، ويُعد ثاني أهم عيد تقليدي بعد عيد الربيع (العام القمري الجديد).

في التقويم القمري الصيني، ينقسم العام إلى أربعة فصول، وكل فصل ينقسم بدوره إلى ثلاث فترات: مِنغ (Meng) وتشونغ (Zhong) وجِي (Ji). فبما أن أشهر الخريف هي السابع والثامن والتاسع (حسب التقويم القمري)، فإن الشهر الثامن يكون في المنتصف. ومن جهةٍ أخرى، فإن اليوم الخامس عشر هو منتصف الشهر الثامن الذي يتكون من ثلاثين يوماً. ولذلك يُسمّى هذا العيد "عيد منتصف الخريف"، ويُعرف أيضًا باسم "عيد تشونغ تشيو" أو "عيد الشهر الثامن". وهو عيد تقليدي يحتفل به الهان (القومية الصينية الرئيسية) ومعظم الأقليات العرقية الأخرى في الصين، كما يُحتفل به في دول شرق آسيا المجاورة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام.

يكون قمر اليوم الخامس عشر من الشهر الثامن أكثر استدارةً وإشراقاً من أقمار باقي شهور السنة، ولذلك يُطلق عليه أحيانًا "ليلة القمر" أو "عيد الشهر الثامن". في تلك الليلة، يملأ البدر السماء، وعندما ينظر الناس إلى القمر المشرق الصافي الذي يشبه قرصًا من اليشم، ترتسم في قلوبهم تلقائيًا رغبة عميقة في لمّة العائلة. لذلك، يجتمع أفراد الأسرة عادةً في تلك الليلة، حتى أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن وطنهم يستغلون هذه المناسبة للتعبير عن حنينهم وشوقهم لوطنهم وأحبّتهم. ولهذا السبب، يُعرف عيد منتصف الخريف أيضًا باسم "عيد التوحّد العائلي".

يرجع أصل عيد منتصف الخريف إلى طقوس العبادة القديمة الخاصة بعبادة القمر في فصل الخريف. ورد في كتاب "لي جي" (كتاب الطقوس): "يُحيي الإمبراطور شروق الشمس في الربيع ويُكرّم القمر في الخريف"، ويُقال أيضًا: "يُحيي شروق الشمس في الصباح، ويُكرّم القمر في المساء". والعبارة "تكريم القمر في المساء" (Xi Yue) هنا تعني تحديدًا عبادة القمر. وقد ظهرت ملامح هذا العيد منذ عهد أسرتي هان، أما في عهد أسرة تانغ فقد انتشرت عادة التأمل في القمر خلال هذا اليوم، وتم تحديده رسميًا كعيد منتصف الخريف. كتب المؤرخ أو يانغ زهان (785م – نحو 827م) في مقدمة قصيدته "تشانغ آن وان يو" (التأمل في القمر بتشانغ آن):  
"الشهر الثامن هو وسط الخريف: بداية فصل الخريف ونهاية بدايته؛ واليوم الخامس عشر هو منتصف الليل، والقمر في ذروة اكتماله. فمن ناحية النظام السماوي، تكون الحرارة والبرودة متوازنتين، ومن ناحية العدد القمري، يكون القمر في أكمل صوره واستدارة روحه، ولذلك يُسمّى عيد منتصف الخريف".

كان لدى الشعب الصيني منذ العصور القديمة عادة "عبادة القمر في المساء الخريفي". و"عبادة القمر" هنا تعني تقديم الطقوس والقرابين لإله القمر. ففي كل ليلة من ليالي عيد منتصف الخريف، تُقام طقوس لاستقبال البرودة وعبادة القمر، حيث يُعدّ مذبح كبير يوضع عليه القرابين التي تشمل كعك منتصف الخريف (الباو بينغ)، والبطيخ، والتفاح، والتمور، والخوخ الأحمر، والعنب وغيرها. ولا غنى عن كعك العيد والبطيخ بين هذه القرابين، بل ويُقطع البطيخ على شكل زهرة لوتس. يوضع تمثال إله القمر باتجاه القمر في السماء، وتُشعل الشموع الحمراء، ثم يقدّم أفراد العائلة القرابين تباعًا للقمر. بعد ذلك، تقوم ربة المنزل بتقطيع كعكة العيد الدائرية، ويتمّ حساب عدد أفراد العائلة مسبقًا – سواء كانوا حاضرين أو في أماكن بعيدة – فلا يزيد عدد القطع عن العدد الحقيقي ولا ينقص، ويجب أن تكون جميع القطع متساوية في الحجم.

في عهد أسرة تانغ، انتشرت عادة التأمل في القمر واللعب به خلال عيد منتصف الخريف. وفي عاصمة أسرة سونغ الشمالية (كايفنغ)، كان أهل المدينة بأجمعهم، فقراء وأغنياء، صغارًا وكبارًا، يرتدون ملابس الكبار في ليلة الخامس عشر من الشهر الثامن، ويحرقون البخور ويسجدون للقمر ويعبرون عن أمنياتهم، طالبين حماية إله القمر. وفي عهد أسرة سونغ الجنوبية، اعتاد الناس تقديم كعك منتصف الخريف هدايا لبعضهم البعض، تعبيرًا عن رمز التوحّد العائلي. كما كانت هناك بعض المناطق تمارس أنشطة خاصة مثل رقصة التنين المصنوع من الحشائش، وبناء أبراج من الطوب.

منذ عهدَي مينغ وتشينغ، ازداد انتشار عادات عيد منتصف الخريف أكثر، وظهرت في مناطق مختلفة عادات محلية فريدة مثل حرق البخور المخروطي، و"شُجرة منتصف الخريف"، وإضاءة مصابيح الأبراج، وفوانيس السماء، والسير تحت ضوء القمر، ورقصة التنين الناري.

تقول الحكمة الشعبية المشهورة: "في الخامس عشر من الشهر الثامن، يكون القمر مستديرًا، وكعك منتصف الخريف عطريًا ولذيذًا"، وهي تعكس عادة الشعب الصيني القديمة في تناول كعك العيد في هذه الليلة. في البداية، كان كعك منتصف الخريف يقدم كقرابين لإله القمر، ثم تدريجيًا أصبح رمزًا لتوحّد العائلة، مرتبطًا بعادة التأمل في القمر وتذوّق الكعك. وهكذا صار كعك العيد هديةً تقليديةً في هذه المناسبة.

الكعك الدائري هو الطعام التقليدي لعيد منتصف الخريف، وشكله المستدير يرمز إلى التوحّد والاجتماع، مما يعبّر عن أمنية الشعب الصيني في اجتماع أفراد العائلة. وهناك رواية تقول إن عادة تناول كعك العيد في منتصف الخريف بدأت في أواخر عهد أسرة يوان، حين قاد زهو يوان تشانغ تمرّد الهان ضد الحكم المنغولي. لكن بسبب المراقبة المشددة من قبل جنود الحكومة، واجه المتمردون صعوبات كبيرة في التواصل وتبادل الرسائل السرية. فابتكر أحد مستشاريه حيلة ذكية: صنعوا كعكات دائرية كبيرة من الطحين، ووضعوا داخلها أوراقًا كُتب عليها: "الثورة في الخامس عشر من الشهر الثامن". وهكذا نجحت الرسالة في الانتشار بسرعة، وحقّق الشعب انتصاره في النهاية، وأطاح بحكم أسرة يوان وأنشأ أسرة مينغ. ومنذ ذلك الحين، انتشرت عادة تناول كعك العيد في أوساط الشعب. وبعد أن اعتلى زهو يوان تشانغ العرش، أصدر مرسومًا يمنح جميع الجنود إجازة في الخامس عشر من الشهر الثامن ليحتفلوا مع عائلاتهم، ووزّع عليهم كعكات العيد التي استُخدمت في نقل الرسالة كمكافأة.

وهناك رواية أخرى تقول إن كعك منتصف الخريف يعود أصله إلى طعام الاحتفال بالانتصارات في جيش أسرة تانغ. ففي عهد الإمبراطور كاو تسو (لي يوان)، حقّق الجنرال لي جينغ انتصارًا ساحقًا على الهون، وعاد منتصرًا في الخامس عشر من الشهر الثامن. وفي تلك المناسبة، قدّم تجّار من تورفان (تولوفان حاليًا) كعكات إلى الإمبراطور ليباركوا له بالنصر. فأخذ الإمبراطور لي يوان علبة الكعك الفاخرة، وأخرج منها كعكة مستديرة، وأشار ضاحكًا إلى القمر في السماء قائلاً: "ينبغي أن ندعو الضفدع (رمز القمر في الأساطير الصينية) لمشاركة هذه الكعكة المسطحة المصنوعة من القمح (الهوبينغ)". ثم قسّم الكعكة على وزرائه ليتذوقوها معه.

كل هذه الأساطير الجميلة هي جزءٌ لا يتجزأ من التراث الثقافي الصيني القيم، وهي ثمرة حكمة الشعب الصيني المتراكمة عبر مئات السنين من الممارسة في الحياة والإنتاج. وتُجسّد بوضوح الإنجازات المدنية العظيمة التي صقلتها الأمة الصينية على مدى آلاف السنين. ولذلك، فإن من واجبنا أن نتوارثها ونطورها، ونُظهر ثقتنا بثقافتنا، ونسعى لتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية!


أخبار ذات صلة