هەلو حسن سعيد
تبقى قضية وضع تايوان واحدة من أكثر القضايا الجيوسياسية حساسية وخطورة في عصرنا. فبالنسبة لجمهورية الصين الشعبية، ليست المسألة موضوعاً للنقاش، بل حقيقة تاريخية وقانونية ثابتة: تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، وإعادة توحيدها أمر حتمي، ويفضَّل أن يكون سلمياً. وقد تم تعزيز هذا الموقف باستمرار من خلال التصريحات الدبلوماسية، والأدوات القانونية، والمواقف العسكرية، خصوصاً رداً على تصريحات المسؤولين اليابانيين، التي تبرز عمق الخلافات وثبات المبادئ المتعلقة بهذه القضية.يقع في صميم موقف بكين مبدأ الصين الواحدة، الذي يؤكد وجود دولة صينية واحدة في العالم، وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأن الحكومة في بكين هي الممثل الشرعي الوحيد للصين. وقد ثُبّت هذا الموقف بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758 لعام 1971. ومن هذا المنظور، فإن مفهوم "استقلال تايوان" ليس مجرد طموح سياسي، بل وهم خطير، وخيانة للأمة الصينية، وتهديد مباشر لوحدة أراضيها،وينص قانون الدفاع الوطني الصيني بوضوح على أن جيش التحرير الشعبي مسؤول عن حماية سيادة الصين ووحدتها وسلامة أراضيها. كما يمنح قانون مناهضة الانفصال لعام 2005 بكين الحق في اتخاذ إجراءات غير سلمية إذا حاولت تايوان الانفصال.وتزداد قوة السردية الصينية حول "الحتمية" كلما تعرضت للتحدي. فالمسؤولون اليابانيون، خاصة بعد الصراع الروسي الأوكراني، بدأوا يصوّرون أمن تايوان على أنه مسألة تخص اليابان مباشرة، وغالباً ما يرددون عبارة: "طارئ تايوان هو طارئ لليابان". تعكس هذه التصريحات القلق الياباني المتزايد من التحديث العسكري الصيني ومواقفه الحازمة في بحري الصين الشرقي والجنوبي. كما تشير الكتب البيضاء الدفاعية اليابانية بوضوح إلى مخاوف من اختلال ميزان القوى في مضيق تايوان، ما يُعد تحولاً نحو انخراط دولي أكبر في مستقبل تايوان، وتحدياً للسردية الصينية التي تصف القضية بأنها شأن داخلي بحت
وكان رد الصين على هذه التحديات سريعاً وحازماً ومتعدد الأبعاد
فعلى الصعيد الدبلوماسي، استدعت بكين دبلوماسيين يابانيين مراراً لتقديم احتجاجات رسمية، ووصفت التصريحات اليابانية بأنها "غير مسؤولة" وتنتهك الاتفاقيات المشتركة الصينية اليابانية التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية حكومة شرعية واحدة للصين.كما أعادت التأكيد على سيادتها في تصريحات رسمية تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، وأن شؤونها الداخلية ليست مفتوحة للتدخل الخارجي.وغالباً ما تستحضر بكين الإطار التاريخي، فتربط التصريحات اليابانية المعاصرة بماضي اليابان العسكري، وخاصة احتلالها لتايوان بين عامي 1895 و1945. أما على المستوى العسكري، فتجري قوات جيش التحرير الشعبي تدريبات بالقرب من خط الوسط في مضيق تايوان، كدليل عملي على استعداد الصين للدفاع عن سيادتها وفقاً لقانون مناهضة الانفصال.هذه الخطوات مجتمعة ترسل رسالة واضحة: إعادة التوحيد غير قابلة للمساومة، وإصرار الصين ثابت لا يتزعزع.
يرتبط تأكيد الصين على حتمية إعادة التوحيد بعدة أهداف استراتيجية
فعلى الصعيد الدولي، تسعى بكين إلى ردع الدول الأخرى عن دعم هوية تايوان المستقلة، وجعل خرق مبدأ الصين الواحدة مكلفاً دبلوماسياً واقتصادياً.أما داخلياً، فتعمل السردية على توحيد الرأي العام خلف رؤية الحكومة للوحدة الوطنية، وتعزيز شرعية الدولة وإثارة الروح الوطنية. وفي تايوان، تهدف الرسالة إلى تقليل الدعم لحركة الاستقلال، وتصويرها على أنها طريق محفوف بالمخاطر وغير مجدٍ، مقابل تقديم خيار الاندماج السلمي تحت السيادة الصينية على أنه المسار الأكثر فائدة.وتجمع بكين بين الأساس القانوني، والذاكرة التاريخية، والضغط الدبلوماسي، والاستعداد العسكري لتشكيل سردية متماسكة.عودة تايوان إلى الوطن الأم ليست فقط هدفاً مرغوباً، بل نتيجة تاريخية حتمية.وفي الختام، فإن مسألة تايوان ليست مجرد قضية إقليمية، بل قضية مبدأ وطني عميق بالنسبة للصين. ورغم أن إعادة التوحيد السلمي تبقى الخيار المفضل، إلا أن تصميم بكين على تحقيق ذلك "بكل الوسائل" هو تصميم مطلق. يظل مضيق تايوان واحداً من أكثر بؤر التوتر الاستراتيجية حساسية في العالم، حيث تتقاطع المظالم التاريخية، والادعاءات القانونية، والمناورات الدبلوماسية، والعروض العسكرية.ومن منظور بكين، فإن عودة تايوان إلى الوطن الأم مسألة وقت لا أكثر—حتمية تاريخية لا يمكن لأي تدخل خارجي أن يغيّرها.المدّ الهادر لإعادة التوحيد لا يتوقف، وإصرار الصين يظل شاهداً على التزامها الدائم بوحدتها الوطنية وسيادتها.